• ×

07:43 صباحًا , الإثنين 6 يوليو 2020

قائمة

للحدث بقية... (ابن زيدون)

 0  0  2.5K
 تأليف: اسماعيل فهد اسماعيل

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

طالما كان التاريخ كتاباً عملاقاً يختصر تجارب الإنسان في أزمنة وأمكنة معينة، وطالما لجأ إليه حملة الأقلام المبدعة ليختاروا منه محطات تعني لوجعهم الكثير فيحوّلونها تحفاً فنية ذات خلفية هادفة على المستوى الإنساني. يحلو التاريخ معلّماً أكثر فأكثر حين يعيد نفسه وربما في إنائه الجغرافي نفسه أيضاً، وذلك صفعة لأبناء التاريخ الذين يتكررون في ظلال الخطأ وكأنهم لا يعرفون طريقهم الى الكينونة الآمنة والسليمة، وكأنّ أخطاء أهلهم وأجدادهم إرث لهم يرثونه بلا اعتبار من الماضي، فيؤسّسون لتكرار الزمن الأسود مديرين ظهورهم لحكمة التاريخ ومعرفته العميقة التي هي وليدة الحروب والظلم والمآسي...

في مسرحيته «للحدث بقيّة...» يمدّ المؤلف اسماعيل فهد اسماعيل يده عميقاً في جعبة التاريخ العربي محاولاً ايجاد الصفة المناسبة للشرق قائلاً عن التاريخ: «إنه لو شاء محاكاة أحد أحداثه الماضية أعاده على شاكلة مهزلة». في هذا الكلام اعتراف مباشر بأن العرب أعداء الاعتبار من تاريخهم ويستمرون بذاكرة أميّة، وحال الأندلس أيّام ابن زيدون هي حال العرب الراهنة بما يعانون من شرذمة واستعانة بالأجنبي على العربي، وحكّام العرب بقسم منهم مديرو سجون لشعوبهم يحكمون بحق القوة بعيداً من مفهوم الدولة والأمة...

وزّع اسماعيل مسرحيته على أربعة مناظر. كان المنظر الأول في سوق العطارين في قرطبة، وفي بدايته يقدم ابن زيدون بطاقة تعريف عن نفسه، فهو ذو الوزارتين بحسب ما سماه ابن جهور لأنه ملك على ضفتين: ضفة الشعر وضفة السياسة. يكشف المنظر الأول واقع الأندلس المؤسف، إذ تحوّلت أحد وعشرين دولة وغدا لكل طائفة ملكاً. عند أبواب ملوك الطوائف، وقف الشعراء وأهل الفكر والرأي مادحين، مشاركين في اغتيال تحفة عربية كان اسمها الاندلس. وإذا كانت السياسة سيدة الموقف فإنّ للحبّ متسعاً يتمثل بإطلالة ولادة، ابنة الخليفة المستكفي بالله، وجاريتها عتبة، فيحاول ابن زيدون إثارة ولادة من خلال توجيه اطرائه الى جاريتها بينما تحترق ابنة الخليفة الاغضاء وهي الراغبة في ابن زيدون شاعراً يجعلها ذهب قصيدته فتغدو أميرة القوافي على كل شفة ولسان. أما الجوفة المؤلفة من ثلاثة رجال فهي بمثابة شهود عيان، وعرف المؤلف كيف يثبتها محطة على امتداد مناظر مسرحيته، لتحضر ناطقة بالحق وما فيه مصلحة الرعية على رغم أنها تغض الطرف أحياناً بحصولها على الرشوة وهي تتعامل بالرشوة أيضاً، لا سيما مع رجال الأمن لتتقي شرهم وتنجو. لجأ اسماعيل في نصّه المسرحيّ الى استشهادات لشعراء من عصرنا ومنهم نزار قباني، الصمت في حرم الجمال جمال وبذلك ربط النص بالحاضر وأوقع قارئه في الالتباس الجميل، فيشعر أن الزمن الماضي حاضر اليوم وزمننا الراهن آتٍ من ماضٍ سحيق. من الجواهري، الشاعر العراقي المعروف يأخذ المؤلف: «وإننا حين يروي الناس نبعُهم/ نروى بنبع دماء فجرت فينا، وهذا الكلام يظهر مأساوية الواقع الأندلسي حيث انقلبت أرض الغناء والفنّ والجمال أرض خراب ونزاع وتشريد وظلم...

تضرب ولادة في نهايات المنظر الأول موعداً لابن زيدون في منتداها الأدبي المعروف بملتقى الثلثاء، لكنه يتمنّع بطريقة غير مباشرة تحاشيًا لرؤيته ابن عيدوس عندها ولتبديد خوف ذي الوزارتين من أن يصطاد ابن عبدوس أو غيره قلب ولادة، تنشد ابنة الخليفة: «إنّي وإن نظر الأنام لمهجتي/ كضباء مكّةَ صيُدهنّ حرام». يدخل الى المشهد أبو الوليد ويعود الى السياسة مع ابن زيدون محاولاً اقناعه بترؤّس حكومة انقاذ وطني بعد تنحي الحاكم أو إقالته، ما ينبئ بتأزّم نصّي يظهره المنظر الثاني.

أبو سعد

صادر مشهد المحكمة مساحة المنظر الثاني، فإبن جهور يخشى منافسة ذي الوزارتين له. يحضر الشاعر مكبل اليدين، والقاضيان اللذان من المفترض أن يحققا العدالة يتنحيان قسراً عن مهمتهما ليحل محلهما ضابط الأمن لتصير المحاكمة أمنية سياسية من حيث المضمون ومدنية جزائية من حيث الشكل. حاول رجال الأمن الضغط على «أبو سعد» ليعترف بما لم يحصل وهو أن :»ابن زيدون وضع اليد على عقار لأبي سعد وعبثاً حاول المدعي أن يهرب من اتهام وزير يحبّه كثيراً. في سياق الظلم، يضع المؤلف على ألسنة الجوقة كلاماً يختصر جور الحكّام واستبدادهم: «يكتب التاريخ مرتين، إحداهما بمشيئة الحاكم».

أتى المنظر الثالث أسير سجن ابن زيدون. فالشاعر في زنزانته يتمزّق في وحدته حباً لابنة المستكفي ولجوهرة الاندلس «ولادة وقرطبة توأمان». استطاعت ولادة أن تزور الشاعر الحبيب في سجنه وتنفي له حبها لابن عبدوس، وتنبهه الى أن مدحه لابن جهور طمعاً بتحريره من زنزانة يحتمل المدح والذم في آن ويردده أعداء ابن جهور أكثر من أحبابه. وبينما الحبيبان يلتقيان، وصل أبو الوليد فجأة وأظهر وفاءه وحبّه للشاعر وجهد في اقناعه بأن ما حصل مدبَّر ولم يستطع اقناع أبيه بالعفو عنه. بعد ذهاب ولادة ثم أبي الوليد، كان الحراس وآمر السجن سكروا من شراب اللوز البارد، وما كان من الشاعر إلاّ أن هرب بمساعدة الجوقة التي قدمت له كل الأكسسوار اللازم للتمويه.

يعود سوق العطارين ليتصدر المنظر الرابع، مظاهر الحداد تعمّ السوق بعد موت ابن جهور واستلام أبي الوليد الحكم. تظهر ولادة مجدداً وتضع في يد ابن زيدون كيس نقود وهو امام عينيها بزيّ شحّاذ فيردّه الى عتبة، ويتأثر الشاعر كثيراً لرؤيته اللاجئين من بقاع أندلسيّة الى قرطبة وغيرها هرباً من الظلم والسجن والموت، وآلمه أن العرب يستعينون بالإفرنج على العرب. وبإخبار من ولادة يصل ابو الوليد الى السوق ويعانق الشاعر، غير أنه لم يستطع اقناعه بالعودة الى الوزارة وترك هذا الأمر للتشاور مع ولادة بصدده.

لا شك في أن نهاية المسرحية لا تروي الغليل وتضع ابن زيدون بطل المسرحية، تحت تأثير العواطف في قرار كبير إمّا يجعله بطلاً قومياً يتنازل عن السلطة ليربح نفسه وإمّا يردّه الى بيت الطاعة السياسية. تمكن اسماعيل فهد اسماعيل من جعل الواقع العربي اليوم يتقمّص زمناً تاريخياً معيناً هو زمن الأندلس المفجوعة بطوائفها وملوكها والرسالة التي أراد إيصالها وصلت بالبريد المضمون تحت عنوان «للحدث بقية».

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy