• ×

01:11 صباحًا , الإثنين 6 يوليو 2020

قائمة

الشرطة الأفغانيّة... فشل ذريع رغم الجهود الحثيثة!

 0  0  524
 كان المقدم عبد الحميد، وهو قائد شرطة حديث العهد، يواجه صعوبة في فهم ما يحصل، فعندما تسلم مهمة الإشراف على تلك الدائرة في شمال البلد في أوائل شهر يوليو (تموز)، كان تحت أمرته 54 شرطياً. لكن منذ ذلك الحين، نُقل بعضهم، في حين اختفى البعض الآخر.
فكم بقي منهم؟

رفع القائد بصره إلى اللمبة المضاءة المتدلية وحدها من سقف مكتبه، فيما جلس قربه الرائد فينسنت هاينز، شاب عريض المنكبين ينتمي إلى الحرس الوطني كان في السابق مدعياً عاماً في نيويورك، فوضع الرائد كفه على صدغه ومال باتجاه عبد الحميد، قائلاً بصوت تملأه الدهشة: «سيدي، أفهم من تصرفك هذا أنك لا تعلم عدد رجال الشرطة الذين يعملون تحت أمرتك؟».

مليارات الدولارات

ارتسمت على محيا عبد الحميد الشديد النحول، الذي يرتدي بزة تفوق مقاسه بأشواط، ابتسامة واهنة فيما راح يستمع إلى ترجمة السؤال، ثم أجاب: «لا، لا أعرف عدد رجال الشرطة الذين يعملون هنا».

في ذلك اليوم الحار من أيام الصيف، كان هاينز (40 عاما) وفريقه من المستشارين العسكريين الأميركيين في دائرة شاهر داره يختبرون شخصياً تحديات تحويل عدد قليل من الأفغان إلى قوة فاعلة في مقاومة التمرد.

منذ عام 2002، أنفقت الولايات المتحدة نحو 6.2 مليارات دولار لتحوّل الشرطة الوطنية الأفغانية إلى حائط صد في وجه {طالبان} وغيرهم من المقاتلين الإسلاميين. عيّنت نحو 730 مستشاراً عسكرياً أميركياً للمساعدة في تدريب القوة وتجهيزها. لكن أياً من الأربعمئة والثلاث والثلاثين وحدة التي تلقت التدريب لم تعتبر في هذا الصيف قادرة تماماً على تنفيذ مهمتها أو التعامل مع خطر طالبان، وفق ما ذكر تقرير صادر عن مكتب المحاسبة الحكومية.

في تلك الأثناء، ازدادت عمليات التفجير على جوانب الطرقات في أرجاء أفغانستان وصارت الاشتباكات أكثر حدة. في شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، فاق عدد الجنود الأجانب الذين قُتلوا في أفغانستان عدد هؤلاء الذين قتلوا في العراق. بعد سبع سنوات من بدء الولايات المتحدة حربها ضد طالبان، يتبيّن أن التمرد صار أشد صلابة.

صحيح أن المسؤولين الأميركيين يقولون إن الجيش الأفغاني تحسن كثيراً منذ بدء الحرب، إلا أن الشرطة الوطنية التي تفتقر إلى التدريب والتجهيزات لم تحرز أي تقدم ملحوظ. بلغ معدل رجال الشرطة الذين قُتلوا هذه السنة 50 شرطياً تقريباً في الشهر. عام 2007، مات 991 شرطياً خلال القتال، حسبما ذكرت إحصاءات الجيش الأميركي.

يوضح اللواء روبرت كون، قائد الفرقة العسكرية الأميركية المسؤولة عن تدريب الشرطة الأفغانية، أن حصيلة الضحايا انخفضت على نحو كبير في الدوائر حيث تلقى أعضاء الشرطة تدريباً وتعليماً مركّزين. لكنه يضيف أن البرنامج يفتقر إلى المدربين، فثمة حاجة إلى 2300 مدرب إضافي لإحداث تأثير دائم في كل دوائر الشرطة في البلد.

هنا في شاهر داره، يواجه هاينز وغيره من المستشارين، معظمهم من سرية المشاة رقم 69 في الحرس الوطني في نيويورك، مهمة صعبة. عليهم أن يعلّموا نحو 36 رجلاً، يتقاضون مئة دولار تقريباً في الشهر، كيف يخلعون باب بيت مثل أعضاء فرقة التدخل السريع في الولايات المتحدة. كذلك، يجب أن يعلموهم كيف يسيّرون الدوريات ويتفاعلون مع السكان ويجمعون المعلومات، فضلاً عن حضِّهم على ملاحقة طالبان من قرية إلى قرية.

معظم الجنود الأميركيين الذين قدموا إلى هنا هم رجال إطفاء ومسعفون ورجال شرطة ومهندسون مدنيون ومستشارون في مجال المعلوماتية، وغالبيتهم من نيويورك. اكتسب هؤلاء خبرة عالية نتيجة خدمتهم سنوات في الحرس الوطني ومشاركتهم في جولة في العراق، حتى إن كثيرين منهم ساروا وسط الركام الذي خلفته اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 على القسم السفلي من مانهاتن، وها هو هذا الفريق الموحد من سكان نيويورك يعمل في أفغانستان كجزء مما يعتبره أعضاؤه حرباً شخصية جداً.

تمرّد

بالعودة إلى مكتب عبد الحميد في مقر الشرطة، حدّق هاينز إلى عبد الحميد فترة من الزمن، ثم قال: «بغض النظر عن منصبك، علينا أن نساعد سريعاً هذه القوة لتصبح أكثر فاعلية، لأن التمرد يتنامى في دائرتك، في حين يتقلص عدد رجال الشرطة تحت أمرتك. علينا أن نصلح الوضع الآن، هذه حالة طارئة».

تقع شاهر داره في محافظة قندوز في مساحة شاسعة من الأودية الريفية الشديدة الانحدار في شمال شرق أفغانستان. صحيح أن نشاط أعضاء طالبان أكبر في جنوب البلاد وشرقها، لكن الخطر الذي يشكله المتمردون بدأ يزداد هنا.

قبل أسبوع من وصول عبد الحميد، فشلت محاولة انتحاري تفجير موكب ألماني باقتحامه وهو يركب دراجة النارية. في وقت لاحق، أطلق المتمردون النار من بنادق وقاذفات صاروخية على مركزين للشرطة. في قرية عيسى خل، بدأ السكان يتلقون رسائل تهديد من طالبان، تحذرهم من إرسال بناتهم إلى المدرسة المحلية المخصصة للبنات، وبعد أيام قليلة، أُقفلت المدرسة موقتاً.

طوال عقود، لم يثق المدنيون الأفغان بالشرطة ولم يلجأوا إليها طلباً للحماية. لطالما كانت المحاباة والرشاوى والمؤامرات من الصفات المميِّزة للشرطة الأفغانية. باستثناء تجربة موجزة في ستينات القرن العشرين، لم تُبذل أي جهود فعلية لاستئصال الفساد. خلال عهد طالبان، اقتصر عملها على فرض القوانين الإسلامية المتشددة.

دخل عبد الحميد سلك الشرطة قبل 18 عاما، وهو ثالث قائد يُعيَّن في شاهر داره في غضون خمسة أشهر. عندما وصل إلى هذه الدائرة قادماً من محافظة حرات الغربية، أحضر معه مرافقيه. عمل أخوه سائقاً له وعمل نسيب آخر له حارسه الشخصي.

لكن هاينز، الذي ساهم في إدانة جون غوتي الابن، أحد قادة العصابات في نيويورك، بتهمة الابتزاز، لم يستطع تحمُّل تصرفات عبد الحميد. تلك ليست طريقة جيدة يربح بها القائد الجديد قلوب السكان المحليين وعقولهم أو يحظى بثقة رجاله، على حد تعبير هاينز. بعد بضعة أيام من اجتماعه الأول مع القائد الجديد، نصحه هاينز بالإستغناء عن خدمات أخيه وحارسه الشخصي. كذلك أخبره أن عليه أن يتوقف عن استهلاك موارد الوقود الحكومي القليلة بقيامه برحلات ليلية إلى منزله بسيارة الشرطة.

يقول هاينز، وهو رجل جريء من نيويورك ساهم خلال جولته في العراق في محاكمة صدام حسين، إنه يريد من عبد الحميد أن يتوقف عن تضييع الوقت وينكب على عمل الشرطة الفعلي في تلك الدائرة.

سأل هاينز عبد الحميد: «أود ان أسألك يا سيدي: ما هي خطتك للدفاع عن هذه الدائرة؟».

كمين

بدا عبد الحميد مذهولاً. ثم نظر إلى أحد رجال الشرطة الأفغان الجالسين قربه، وساد الصمت.

أجاب عبد الحميد (42 عاما): «تقوم خطتي على تطبيق القانون. أعرف جيداً القرى وأياً منها الأكثر عرضة للخطر. لكنني لم أرسم خطة. أعتقد أن علينا نصب كمين لطالبان».

كان عبد الحميد يفتقر إلى قوة قتال أساسية تحت أمرته. ارتدى رجال الشرطة أحذية قتال مهترئة أو أحذية سوداء مصنوعة من الفينيل. أما أسلحتهم التي تعود إلى عهد السوفيات الغابر فقد أكلتها الأوساخ والغبار. كذلك ناء الرجال تحت ثقل الدرع الثقيلة التي أمرهم الجنود الأميركيون بارتدائها.

لم ينل معظمهم إلا مقداراً ضئيلاً من التعليم الأساسي، وكثيرون منهم لا يجيدون إطلاق النار. علاوة على ذلك، قليلون منهم كانوا يعرفون كيفية استخدام أجهزة الاتصال التقليدية الخاصة بالشرطة التي وهبتهم إياها الدول الغربية، حتى إن عدداً منهم فكروا في الانضمام إلى صفوف العشرات من رجال الشرطة الذين تركوا عملهم حديثاً بعدما علموا أن رواتبهم لن تُدفع للشهر الثاني على التوالي.

لكن الرقيب عبيد الله (20 عاماً) قرر أن يبقى في سلك الشرطة. قبل ستة أشهر، كان عبيد الله، الذي نجهل اسم عائلته على غرار كثير من الأفغان، يعيش في منزل العائلة في كابول، وها هو الآن يأخذ النصائح من جنود أميركيين يرتدون نظارات داكنة اللون ويحملون بنادق توازي كلفتها ما يتقاضاه الشرطي في ستة أشهر.

في يوم سابق، سار عبيد الله وثلاثة آخرون من رجال الشرطة مع فريق صغير من الجنود الأميركيين مدة نصف ساعة على طول مجاري مياه الري والطرقات الترابية وصفوف حقول الرز، فاقترب عبيد الله، الذي يتمتع بساقين طويلتين وكتفين عريضتين، من مجموعة من الرجال يجلسون القرفصاء في حقل رز على بعد أمتار قليلة من مكان وجدت فيه قنبلة حديثاً، فاستجوب الرجال بضع دقائق، لكنه لم يحصل منهم على أية معلومات.

دوريات

تابع عبيد الله طريقه، متنقلاً من قرية إلى أخرى، يصافح السكان ويقدم نفسه بخجل إلى أصحاب متاجر الأحذية والمسنين على طول الطريق. بهذه الطريقة علمه المستشارون الأميركيون أن يقوم بالدوريات.

على غرار أناس كثر في تلك الزاوية الشمالية الشرقية من أفغانستان، يشك عبيد الله في أن السكان المحليين ليسوا وحدهم المسؤولين عن العنف في البلد، يعتقد أن باكستان تدعم تمرد طالبان. قال عبيد الله رافعاً كتفيه فيما بدأت دوريته تتجه إلى القرية التالية: «كان أعضاء طالبان أناساً سيئين، دمروا ذلك البلد. هم ليسوا أفغاناً، بل باكستانيون، فما من أفغاني يخرب بلده على ذلك النحو».

يتفق الأفغانيون وحلف شمال الأطلسي على أن عدد المقاتلين الأجانب في أفغانستان ارتفع كثيراً، ويقولون إن غالبية المقاتلين تأتي من باكستان، بعد أن تتلقى تدريباً في مخيمات اللاجئين وقواعد طالبان في مناطق القبائل بين البلدين.

بعد عبور عبيد الله ومن معه نحو كيلومتر ونصف من الطريق، رأوا رجلاً مسناً وعائلته يتناولون الطعام في الطبيعة قرب مسجد صغير، فلوّح الرجل بيده داعياً عبيد الله للاقتراب. راح هذا الرجل بصوته المرتعش يشتكي من وجود طالبان في الدائرة، فالجميع، على حد قوله، يعرفون مَن المسؤول عن المشاكل هنا.

قال وهو يلوح بيده معبراً عن استيائه: «عدوّنا واضح. إنه باكستان. يحاول كل أفغاني إعادة بناء بلده. أنظر إلى تلك الطريق والى ذلك المستوصف وحالته المزرية. باكستان هي السبب الوحيد الذي يحول دون تحسّن الأوضاع هنا. أعرف مَن هو صديقي ومَن هو عدوي»

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy