• ×

04:49 مساءً , الجمعة 10 يوليو 2020

قائمة

دولارات الـ USA سلاح بيد العراقيين

 0  0  944
 خلال صراع دام خمسة أعوام وهدف إلى إنهاء الحرب في العراق، اعتبر القادة العسكريون وجنودهم سلاحاً محدداً الأكثر فاعلية في ترسانتهم: المال الأميركي.

يجوب الجنود الشوارع وهم يحملون آلاف الدولارات ليدفعوا للعراقيين ثمن أبوابهم التي خُلعت أثناء المداهمات، والأطراف التي تقطّعت خلال تبادل النيران. يطلب المشايخ من القادة استعمال مبالغ أكبر من المال المخبأ في آليات «الهمر» العسكرية وخزائن قواعدهم العسكرية لشراء المولدات الكهربائية الجديدة وبناء المدارس والعيادات الصحية ومصانع معالجة المياه، عالمين أن الجيش يمكنه تخطي العقبات الإدارية الأميركية والعراقية.

تُظهر السجلات العسكرية أن 48 ألف دولار أُنفقت على 6 آلاف حذاء للأولاد، فضلاً عن 50 ألفاً أخرى خُصصت لشراء 625 خروفاً لأناس وصفتهم السجلات بأنهم «محليون فقراء يتضورون جوعاً» في ضواحي بغداد. كذلك طلب الجنود لعباً بقيمة 100 ألف دولار وشخصيات قتالية تشبه قوى الأمن العراقية بقيمة 500 ألف. علاوة على ذلك، أنفقوا نحو 14250 دولاراً على قمصان قطنية تحمل العبارة «أحب العراق» بالإنكليزية. كذلك خصصوا أكثر من 75 ألفاً لإرسال وفد إلى مؤتمر يعنى بحقوق المرأة والحقوق المدنية في القاهرة، وأنفقوا 12800 دولار على حوضين لتبريد دببة ونمور في حديقة الزوراء في بغداد.

يأتي المال من «برنامج الاستجابة الطارئة» Emergency Response Program الخاص بالقادة العسكريين. أنفق البرنامج حتى الآن ما لا يقل عن 2.8 ملياري دولار، وهو لا يتبع المعايير الدولية لإعادة التنمية وقوانين الشراء الحكومية التقليدية، بل تحكمه قواعد توجيهية واسعة ضُمِّنت في كتيب يُدعى «المال سلاح» Money as a Weapon System.

يهدف البرنامج إلى تنفيذ عمليات «مساعدة إنسانية وإعادة بناء طارئة» قصيرة الأمد وضيقة النطاق. لكن مع نضوب الـ50 مليار دولار المخصصة للجهود الأشمل الرامية إلى إعادة بناء العراق بواسطة مشاريع بنى تحتية كبيرة، اكتسب برنامج الاستجابة الطارئة أهمية متزايدة بصفته برنامجاً لإعادة البناء، مع العلم أنه ليس معداً لأداء تلك المهمة بشكل متناسق على صعيد الأمة ككل.

أجرت صحيفة «واشنطن بوست» مراجعة لبيانات حكومية تتناول أكثر من 26 ألف سجل تابعة للبرنامج، فضلاً عن وثائق ودفاتر محاسبة خاصة بالكونغرس ومقابلات مع جنود وقادة عملوا ضمن إطار البرنامج. كشفت تلك المراجعة عن برنامج تطوّر ليتخطى أهدافه الأساسية بأشواط. غالباً ما استُخدم لتنفيذ مشاريع كبرى تستغرق سنوات، مبتعداً عن أعمال إعادة البناء التي أنشئ لها، وهو يفتقر أيضاً إلى البنية الضرورية كي يتمكن المشرفون عليه من التأكد من حسن سير البرنامج.

أنفق الجيش أكثر من مليار دولار حتى الآن على 605 مشاريع تتجاوز تعريفه لعبارة «ضيقة النطاق»، أي أن كلا منها يستلزم ما يفوق الخمسمئة ألف دولار. كذلك أنفق 880 مليون دولار على مشاريع تستغرق أكثر من 6 أشهر، وهي المهلة القصوى التي تتلاءم مع تعريف قادة كثيرين لعبارة «قصيرة الأمد».

علاوة على ذلك، يواجه مدققو الحسابات الحكوميون مشاكل في حفظ السجلات. مثلا، لم يستطع الجيش في إحدى المناسبات تعليل إنفاق 135 مليون دولار ضمن إطار البرنامج. يشتكي مدققو الحسابات وغيرهم من الخبراء من أنهم عاجزون عن تحديد ما إذا كان برنامج الاستجابة الطارئة فاعلاً.

يقول الجنود وقادتهم إن البرنامج فاعل بسبب قلة الإجراءات الإدارية، مما يتيح لهم سد الحاجات حالا في البلدات والقرى حيث يخدمون. أما في الكونغرس ووزارة الدفاع الأميركية، فصار البرنامج «بمنأى عن الانتقادات كافة»، على حد تعبير أحد مدققي الحسابات الحكوميين. قليلون يتجرأون على انتقاد البرنامج الذي يلقى رواجاً كبيراً خوفاً من أن يسيئوا إلى الجنود. كذلك مُنح برنامج الاستجابة الطارئة حديثاً 1.2 مليار دولار إضافية يُفترض أن تُقسم بين العراق وأفغانستان، وفق تقرير صدر في يوليو (حزيران) عن مكتب المفتش العام الخاص لإعمار العراق. بذلك يكون البرنامج حصل على 3.5 مليارات دولار. فضلاً عن ذلك، اقترح المشرعون إعفاءه في المستقبل من القيود المفروضة على الإنفاق الخاص بمشاريع إعادة البناء الكبرى في العراق.

فائض

لكن بعد التقارير الأخيرة التي كشفت أن الحكومة العراقية تنعم بفائض في الموازنة يصل إلى 50 مليون دولار، طلب عضوان في مجلس الشيوخ، هما جون وارنر (ممثل فرجينيا الجمهوري) وكارل ليفين (ممثل ميشيغان الديمقراطي ورئيس لجنة القوات المسلحة)، من وزير الدفاع مراجعة عمليات الإشراف والتنظيمات التي يخضع لها هذا البرنامج، وقالا إنهما يريدان أن يتحمل العراق جزءاً أكبر من تكاليف إعادة البناء. كذلك أوضح وارنر أن ما أثار قلقه بشكل خاص هو مجمّع في مطار بغداد الدولي يضم فندقاً ومكاتب ومتاجر للبيع بالتجزئة تصل كلفته إلى 33 مليون دولار، وهو مشروع «يتخطى بأشواط هدف» برنامج الاستجابة الطارئة، على حد تعبيره.

يذكر وارنر، الذي كان من أوائل داعمي مشروع التمويل: «لم يخطر ببالنا أنه سيتولى مشاريع تنموية ضخمة، تهدف إلى مساعدة جنودنا في محاربة التمرد ودعم المدنيين لينهضوا من جديد. لكنه يبدو اليوم أشبه بمصرف للتنمية».

أما الجنرال بيتر شياريلي (نائب رئيس الأركان في الجيش الأميركي وكان القائد العام للقوات المتعددة الجنسيات في العراق عام 2006) فيعلن أنه هو والقادة في العراق شهدوا تراجع الحوادث العنيفة في مناطق محددة عندما ارتفع إنفاق البرنامج.

يضيف شياريلي موضحاً أن برنامج الاستجابة الطارئة هو برنامج إعادة بناء، لا سلاحًا لمكافحة التمرد فحسب. بعد المعارك الأولى إثر الغزو، على حد قول شياريلي، «جاء أحد وأعطى قائداً كيساً فيه 25 ألف دولار نقداً وطلب منه أن يعيد بناء العراق».

لكنه يستدرك قائلاً إن الجيش قد لا يكون مجهزاً لصيانة المدارس والعيادات ومشاريع المياه التي يبنيها بأموال البرنامج. في إحدى الحالات عام 2005، حسبما يقول شياريلي، استخدمت الأموال لجرّ المياه إلى 220 ألف منزل في مدينة الصدر في بغداد. لكن عندما عاد بعد سنة ليرى ما إذا كان المشروع توسع ليشمل منازل أخرى، خاب أمله. لذلك يعتبر أن «المشكلة تكمن في عملية متابعة المشاريع».

عندما قاد الجنرال ديفيد بتريوس الفرقة 101 التابعة لسلاح الجو لاحتلال الموصل وشمال العراق عام 2003، احتوت مقرات الجنود ملصقات كُتب عليها: «ماذا فعلتم لتكسبوا قلوب العراقيين وعقولهم؟». عندئذٍ بدأ هو وجنوده ينفقون المال، فاستخدموا 58 مليون دولار حصل عليها البرنامج من أصول عراقية صودرت.

أصبح بتريوس الآن القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق، وهو يدرك جيداً أهمية استخدام المال في مكافحة التمرد. تناول في أطروحته في جامعة برينستون الدروس المستمدة من فيتنام، حيث استخدم الجيش الأميركي أداة «للتهدئة» تشبه إلى حد كبير برنامج الاستجابة الطارئة.

في بداية الاحتلال الأميركي، لم تتلقَ قرى عراقية كثيرة إلا فوائد قليلة من جهود إعادة البناء الواسعة النطاق التي أدارتها بغداد. لكن إنفاق الجنود أموالاً طائلة بسرعة لمعالجة بعض المشاكل الطارئة عاد عليها بالخير، على حد تعبير قادة وخبراء عسكريين.

يذكر العقيد في البحرية الأميركية جون كونيغ، الذي أشرف على مشاريع بقيمة 160 مليون دولار موّلها البرنامج في محافظة الأنبار السنة الماضية: «لا يمكنك التخلص من التمرد بالكلام. تساعدك البندقية في تحقيق جزء محدد من أهدافك، فهي تُظهر أنك تملك القوة. لكن برنامج الاستجابة الطارئة يساهم في تطوير الحلول للقضاء على تنظيم القاعدة».

الحافز الوحيد

يمنح البرنامج القادة العسكريين المرونة للتحرك بسرعة في منطقة حرب غير مستقرة يشكل فيها المال الحافز الوحيد. ذكر كتيب الإرشادات المعتمد في العراق أن الامتحان الأساسي لتحديد ما إذا كانت تغطية البرنامج وغيره من برامج التمويل الحكومية لمشروع ما مناسبة يرتكز على السؤال: «هل يحرج التمويل (وزارة الدفاع) في حال تناوله برنامج 60 Minutes؟». صحيح أن برنامج الاستجابة الطارئة يخضع لعدد من القيود، لكن المسؤولين العسكريين يميلون بطبيعتهم إلى ممارسة الحذر عند القيام بعمليات شراء صغيرة.

استُخدمت أموال برنامج الاستجابة الطارئة بدايةً في التعويض عن أضرار الحرب. يدعو الجيش تلك المبالغ دفعات «تعزية»، ويقول إنها «مبادرات رمزية» تُمنح لعائلات العراقيين الذين قُتلوا أو أصيبوا خلال الحرب. يسارع المسؤولون العسكريون إلى القول إن ذلك لا يعني أن الجيش يتحمل اللوم نتيجة ما حدث، وهو لا يحاول أن يثمّن حياة الضحايا بالمال.

يعلّم الرائد دانا حياة راهناً مادة الدراسات الاجتماعية لتلامذة الصف الخامس في كونيكتيكت، لكنه خدم في مدينة حديثة قبل سنتين كجندي احتياطي في صفوف مشاة البحرية. سُمح له آنذاك بدفع 500 دولار أميركي كتعويض لمن يخسر رجله أو يده. أما في حالة الوفاة فيصل التعويض إلى 2500 دولار، وهي قيمة تحددها القواعد التنظيمية.

مرة أسبوعيًا، بعد ظهر يوم الثلثاء في غالبية الأحيان، كان حياة يسير من مقر العمليات العسكرية إلى تقاطع الطرق الرئيس قرب نهر الفرات كي يستمع إلى قصص العراقيين. ثم يمضي اليوم التالي في التفتيش في سجلات المستشفيات والجيش بغية التأكد من صحة تلك الشكاوى، ليرجع يوم الخميس مع ثلاثة جنود مسلحين من مشاة البحرية وهو محمَّل برزم من الأموال الأميركية موضوعة في أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق.

يخبر حياة، الذي خدم مسؤول الشؤون المدنية في الكتيبة الثالثة التابعة للواء مشاة البحرية الأول: «كنت أشرف على عمليات توزيع المال. كانوا يعرفون أنني صاحب القرار». ذات مرة، منح حياة مئة دولار لأب قال إن ولده وقع عن حافة الرصيف وكسر رجله عندما حلّقت الطائرات الأميركية على علو منخفض جداً.

أنفق الجيش حتى الآن نحو 50 مليون دولار كدفعات «تعزية» إلى عائلات العراقيين الذين قُتلوا أو أُصيبوا. مثلا، تُظهر السجلات أن الولايات المتحدة دفعت السنة الماضية 1.6 مليون دولار إلى عائلات مَن سقطوا جرحى في ما دعته الوثائق هجوماً تفجيرياً «مريعاً» في وسط بغداد.

أما التعويضات عن الأضرار المادية فكانت أقل. يخبر العقيد جو رايس، جندي احتياطي في الجيش خدم ثلاث جولات في العراق، بأن الجنود في وحدته دفعوا 50 دولاراً مقابل كل باب يُخلع في بيوت العراقيين. أما النافذة أو الأريكة فكانت تكلّف 25 دولاراً. يضيف رايس قائلاً عن جولته الأخيرة في بغداد: «تفاجأ الناس حين علموا أننا نود أن نمد لهم يد المساعدة».

يشبه التكتيك المعتمد طريقة عمل حزب الله في لبنان، على حد تعبير كونيغ، الذي خدم مستشار جنرال في مشاة البحرية مسؤول عن مشاريع ضخمة يمولها برنامج الاستجابة الطارئة. يتابع موضحاً: «يأتي {حزب الله} بعد ضربة جوية إسرائيلية حاملاً المال ويصلح الحي». لكن المتمردين العراقيين، بمن فيهم القاعدة في العراق، «لم يتصرفوا يوماً على هذا النحو. فهم يستولون على المناطق، لكنهم لا يحاولون مساعدة السكان».

صحيح أن دفع الرشاوى ممنوع، لكن المحاباة في العراق أمر شائع ويمكن أن تساهم في الحفاظ على سلامة المشاريع والجنود.

يخبر المقدم المتقاعد في الجيش جون ناغل، الذي خدم في مدينة الخالدية عام 2004، بأنه دفع لمقاول محلي 20 ألف دولار كي يبني مقرات جديدة للحرس الوطني العراقي. لكن المشروع تعرض باستمرار للتفجير ولم يستطع العمال إنهاء البناء. فأخبر ناغل قائداً عراقياً عن تلك المشكلة.

يروي ناغل: «قال لي: أخي مقاول، وإذا استخدمته سيؤمن لك جنودي الحماية». استخدم أخو القائد والحرس العراقيون الموقع حتى انتهاء البناء. يضيف ناغل، الذي وضع لاحقاً مقدمة كتيب مكافحة التمرد الجديد الخاص بالجيش: «لم أضطر إلى استخدام عدد كبير من الجنود الأميركيين. هكذا بُنيت المقرات. نستعمل المال بطريقة تصون حياة جنودنا».

لكن عندما تُستخدم أموال برنامج الاستجابة الطارئة لمشاريع أكبر، تكون النتائج أكثر تعقيداً. تشكّل إدارة عقود كبيرة وتحمّل مسؤوليتها مهمة صعبة لجنود يخوضون حرباً، على حد تعبير جايمس «سبايك» ستيفنسون، مدير سابق للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في العراق. يضيف: «لم يعد عملهم الرئيس يقتصر على خوض الحرب، بل يشمل أيضاً المساهمة بفاعلية في عمليات إعادة البناء. غير أنهم ليسوا مدربين على إدارة تلك العمليات ومتابعتها، فهم يتعلمون ذلك في ساحة المعركة».

معالجة المياه

خارج كركوك في شمال العراق، استُخدمت أموال برنامج الاستجابة الطارئة لإنهاء مشروع لمعالجة المياه كلفته 8.3 ملايين دولار. أُكمل هذا المشروع في شهر فبراير (شباط) واستغرق أكثر من سنتين، متخطياً الميزانية المخصصة له بنحو 1.7 مليون دولار. لكن هذا المشروع يقع قرب نظام آخر لمعالجة المياه خصصت وكالة التنمية الدولية الأميركية لبنائه 4.1 ملايين دولار قبل سنتين، وفق ما ذكره مسؤول كبير في وزارة الخارجية يتولى شؤون جهود إعادة الإعمار الأوسع، وقد رفض الإفصاح عن اسمه لأنه لم يرد تقويض علاقاته بزملائه.

عندما تفحّص مدققو الحسابات من مكتب المفتش العام الخاص لإعمار العراق 173 مشروعاً مختلفة الأحجام تعود إلى عام 2006، لم يعثروا إلا على 122 ملفاً كاملاً. أما ملفات المشاريع الأخرى فكانت تنقصها وثائق مهمة. في مايو (أيار) الفائت، ذكر مدققو حسابات وزارة الدفاع أنهم عاجزون عن تبرير إنفاق 135 مليون دولار من أموال البرنامج، وهي بمعظمها مبالغ استخدمتها قوات الائتلاف الكورية الجنوبية والبولندية. غالباً ما تمر أشهر قبل إدراج مشاريع هذا البرنامج في قاعدة البيانات المخصصة لتتبع تطورها. كذلك تفتقر تلك القاعدة إلى عناصر أساسية ترتبط بسدس الأموال، مثل السنة والموقع والمبالغ التي أُنفقت فعلياً.

تقول جينجر كروز، نائبة المفتش العام الخاص لإعمار العراق: «غالباً ما نتساءل عمَّ يحققه المال فعلاً. عندما كنا ننفق مبالغ صغيرة، كان الأمر مختلفاً. أما الآن فنتحدث عن 3.5 مليارات دولار، فضلاً عن مليارات أخرى ستُضاف قريباً إلى البرنامج. تلك مبالغ طائلة من دون شك».

مع بلوغ البطالة نسبة 60 في المئة في بعض المناطق في العراق، تصبح أولوية برنامج الاستجابة الطارئة تأمين الوظائف المحلية.

على طول الطريق السريع المؤدي إلى مطار بغداد الدولي، والذي اعتُبر دائما الأخطر لأنه معرض دائماً لعمليات التفجير، استُخدم عدد من العمال لرسم لوحة جدارية بقيمة 900 ألف دولار تصوّر تطوّر العراق من قرى للصيد مع طيور النورس والقوارب إلى مصافي النفط. كذلك أُنفقت ملايين أخرى على غرس أشجار النخيل والاعتناء بها، مع العلم أن عدداً كبيراً من تلك الأشجار أُتلف على مر العقدين الماضيين. عزي تركيب مظلات فوق مداخل المتاجر وواجهاتها في سوق بغداد بقيمة 687 ألف دولار إلى «إضافة هذا المشروع 35 وظيفة جديدة على مدى ثلاثة أشهر»، حسبما ذكرت الوثائق.

في مدينة الرمادي الميالة إلى العنف، استخدم النقيب في الجيش ناثان ستريكلاند وكتيبته أموال البرنامج لتوظيف عمال يوميين بغية رفع النفايات والأنقاض. يعتمد الجيش استراتيجية حث الشبان على حمل المعاول عوض البنادق.

يدفع ستريكلاند ورفاقه الجنود للعراقيين 8 دولارات في اليوم، وهو الأجر الذي يتقاضاه جامعو النفايات في المدينة. يرفض الجيش دفع أجور أكبر، لأن المسؤولين العراقيين يقولون إن ما من أحد من العمال سيقبل بالعمل مع الحكومة في حال دفعت الولايات المتحدة مبالغ أكبر. لكن عندما لم يحضر إلى برامج العمل التي وضعها ستريكلاند سوى القليل من العمال، أدرك كثيرون السبب. كانت ثمة وحدة عسكرية أميركية أخرى تدفع 10 دولارات لأنها لم ترغب في قضاء الوقت في عدّ الأوراق المالية من فئة الدولار الواحد. يوضح ستريكلاند: «لم ننسق العمل بيننا. حاولت كل وحدة التوصل إلى الحل الأنسب لإتمام العمل بمفردها».

تدبير أمني

بدأ أكبر برنامج لتأمين الوظائف عام 2007. يُعرف البرنامج الآن باسم «أبناء العراق». دفع لأكثر من 100 ألف عراقي بين 5 و26 دولاراً في اليوم ليحرسوا نقاط التفتيش ويسيّروا دوريات في الأحياء. أنفقت الولايات المتحدة ما يفوق المئتين والخمسين مليون دولار على البرنامج حتى الآن، حسبما تشير السجلات.

أخبر بتريوس الكونغرس أن «الرواتب التي تُدفع لبرنامج أبناء العراق وحده تُعتبر متدنية الكلفة نظراً إلى تحسن الأمن في المجتمعات المحلية، مما يحول دون تكبّد خسائر كبيرة في الممتلكات والآليات».

لكن أعضاء الكونغرس وخبراء الاستراتيجيات العسكرية ومدققي الحسابات الحكوميين يقولون إن المشكلة تكمن في أن ما من سبيل واضح لإنهاء البرنامج.

في تقريرهم الأخير، ذكر مدققو الحسابات في مكتب المفتش العام الخاص أن البرنامج يُعتبر «تدبيراً أمنياً موقتاً»، إلا أن ما لا يتعدى 14000 عضو في برنامج أبناء العراق صاروا الآن جزءاً من قوى الأمن العراقية.

يفيد رايمند دوبوا، مستشار بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية كان مسؤولاً كبيراً في وزارة الدفاع خلال عهد وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد: «على الحكومة العراقية أن تتحمل مسؤولية دفع رواتب هؤلاء الموظفين. علينا أن نجد طريقة لنبقيهم إلى جانبنا بتأمين لقمة عيشهم. إذا تلكأنا، فسيجد بعضهم عملاً في مكان آخر في السوق السوداء».

بدأ كثيرون من المشرعين يشككون في عمليات التمويل تلك التي لا نهاية لها، فهم يعتبرون أن العراق فشل في إنفاق ما يكفي من موازنته، التي تعتمد على عائدات النفط، على إعادة بناء مناطقه. في مايو الفائت، اقترح مجلس النواب تحديد سقف عمليات تمويل برنامج الاستجابة الطارئة بضعف المبلغ الذي تساهم فيه الحكومة العراقية.

في إحدى جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ، تحدث ليفين عن رحلة حديثة قام بها إلى قاعدة قرب ديالى. قال إن أحد كبار المسؤولين الأميركيين العسكريين أخبره عن مشروع ناجح لرفع النفايات موّله البرنامج وعن الشكر الذي تلقاه من مسؤول عراقي. لكن هذا الأخير علّق قائلاً: «ما دمتم أنتم تسددون نفقات أعمال التنظيف، فلمَ نتحملها نحن؟».

أما ديفيد كيلكولن، الذي قدّم النصح لبتريوس بشأن استراتيجية مكافحة التمرد وتفحص حديثاً برنامج الاستجابة الطارئة، فأفاد أن مبالغ المال المدفوعة هي أشبه بالهيروين، «إنها أموال تنمية سهلة تسيء إلى جهودنا لتحسين الإدارة المالية». كذلك حذر من أن المشاريع هي مجرد «طفرة»، لا تدوم غالباً.

مراقبة غير منتظمة

بعد إنفاق أكثر من 270 مليون دولار من أموال البرنامج على المدارس والمستشفيات والعيادات الطبية، تعجز الحكومة الأميركية عن معرفة كم من تلك المنشآت يعمل وكم منها هُجر أو تعرض للاعتداء مجدداً، وفق مكتب المحاسبة الحكومية.

تحولت إحدى العيادات الصحية في الرمادي إلى مخبأ أسلحة للقاعدة، حسبما ذكر مسؤول كبير في المنطقة. وجدت وحدته ما يكفي من المسدسات الصغيرة والبنادق الرشاشة وأجزاء المتفجرات وقاذفات الصواريخ وقذائف الهاون في العيادة لملء سيارة رياضية. في بغداد، استخدم الجنود حديثاً عراقيين لإعادة بناء مدرسة في حي الدورة العنيف للمرة الثالثة على التوالي بعد أن تعرضت لاعتداءات متكررة.

يوضح خبراء إعادة التنمية أن الجيش غير مجهز لتتبع تطور مشاريع برنامج الاستجابة الطارئة. حاولت وزارة الدفاع معالجة تلك المشكلة بإدخال تغييرات حديثة إلى تنظيمات البرنامج. من بين تلك التغييرات الطلب من القادة إجراء «انتقال رسمي واضح» للمشاريع إلى عهدة العراقيين. يدعو تعديل أدخل في مايو (أيار) إلى كتيب «المال سلاح» القادة إلى التعاون مباشرة مع الحكومة المحلية كي يضمنوا أن العراق سيقبل بتسلّم المشاريع ما إن تنتهي.

لكن المشكلة لم تُحل. في مطلع العام الجاري، راجع مكتب المفتش العام الخاص لإعمار العراق مشروعي بناء مدرستين في محافظة أربيل الشمالية، ووجد أن ما من تدابير لتسليم هذين المشروعين إلى الحكومة المحلية.

في السنة الماضية، تبيّن لمدققي الحسابات أن إصلاح مصنع لمعالجة المياه قرب الموصل تطلب 237 ألف دولار من أموال البرنامج. سلّم هذا المصنع إلى الحكومة المحلية. لكنه توقف عن العمل بعد أشهر بسبب انقطاع التيار الكهربائي.

في أحد مصانع تكرير المياه المبتذلة في بغداد، وجد مدققو مكتب المفتش العام الخاص أن كل قائد أميركي جديد يأتي إلى المنطقة ويكتشف أن المصنع يفتقر إلى الكهرباء، يستخدم مال البرنامج ليدفع ثمن مولد. ذلك ما حدث مع ثلاثة قادة.

تقول كروز، نائبة المفتش العام الخاص لإعمار العراق: «هكذا دفعوا ثمن المولد نفسه ثلاث مرات. يبدو أن لا أحد من هؤلاء ظل في منصبه فترة كافية لينهي تلك المسألة».

عندما استطلع مدققو مكتب المحاسبة الحكومية رأي عدد من القادة، علموا أن مشاريع كثيرة نفذها مَن سبقوهم هجرتها الحكومة العراقية أو خُرّبت أو اختفت بكل بساطة. بما أن القوانين لا تطلب مراقبة منتظمة للمشاريع السابقة، على حد قول مكتب المحاسبة الحكومية، فما من وسيلة لتقييم نجاح تلك المشاريع.

يقول ستريكلاند، الذي ساهم في توزيع أموال برنامج الاستجابة الطارئة في الرمادي: «نحن جنود لا مهندسون مدنيون أو رجال اقتصاد. لا يمكننا التحقق من حسن سير الكثير من تلك المشاريع».

يوضح غوردن آدام، مسؤول كبير سابق في مجال العلاقات الدولية في مكتب الإدارة والموازنة أدلى بشهادته حديثاً أمام الكونغرس متحدثاً عن جهود إعادة البناء في العراق: «تلك ليست مهمتهم». يضيف أن الجيش في رأيه يجب ألا يبني المدارس والعيادات الطبية وغيرها من المنشآت التي لا تساهم في تحسين الوضع الأمني. يقول إنهم «يتبنون مقاربة فوضوية نوعاً ما من التنمية... فإذا بنيتَ عيادة، تحتاج الأخيرة إلى دعم طبي ومؤن كثيرة، فكيف ستسد تلك الحاجات خلال ستة أشهر؟ لا تُعتبر تلك تنمية طويلة الأمد، حتى أنها لا تُعتبر تنمية إطلاقاً»

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy