• ×

07:38 صباحًا , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

قيس.. لم يكن وحده المجنون عاطفياً عند العرب

 0  0  3.7K
 في كتابه الاخير الذي صدر بعد وفاته: «اجمل قصص الحب من الشرق والغرب»، يقول رجاء النقاش: عندما نراجع تاريخ الحب عند العرب سوف نجد امامنا ظاهرة طريفة ولافتة للنظر، وهي ان الذين يصابون بجنون الحب هم من الرجال فقط، فلم نقرأ عن امرأة واحدة اصابها مثل هذا الجنون واصبحت مشهورة به، واحد شعراء الحب الكبار عند العرب، وهو قيس، اصبح مشهورا على صفحات التاريخ بصفته وليس باسمه، فعندما يريد احد ان يشير اليه، يكفي أن يسميه باسم «المجنون» حتى يعرف الناس جميعا ان المقصود هو قيس بن الملّوح، او مجنون ليلى.

على ان قيساً، كما يضيف رجاء، ليس المجنون الوحيد في التاريخ العاطفي عند العرب، فهناك شعراء مشهورون آخرون عبّروا عن درجات من الجنون العاطفي قد تكون اخف من جنوب قيس، ولكنها في بعض الاحيان تبدو اكثر خطورة، لانها تنطوي على شيء من التهور.
ذلك ما يمكن أن نصف به شاعراً مثل عمر بن أبي ربيعة في زيارته لحبيبته نعم حيث اضطر إلى التخفي بملابس النساء حتى لا يكتشف أحد مغامرته المجنونة الطائشة. فان كانت هذه المغامرة التي يقول لنا الشاعر انه أقدم عليها بالفعل حقيقة واقعية، فهذا نوع من الجنون لاشك فيه، لأن الشاعر لو تم كشفه ومعرفة حقيقة أمره تحت ثوبه النسائي فلن يكون عقابه أقل من ذبحه واهدار دمه.. الرجال وحدهم هم المصابون بهذا المرض الجميل في تراثنا العاطفي. أما النساء فهن «أعقل» من الرجال وأكثر سيطرة على عواطفهن، وأكثر انضباطاً والتزاماً وبعداً عن مواطن الشبهات. فلم يعرف تاريخ العشق العربي امرأة أصيبت في حبها بالجنون، كما أصيب به الرجال. فمن يفتش بدقة وعناية في «سجلات» الجنون العاطفي عبر التاريخ، فلن يجد بين المجانين مجنونة واحدة.
طبعاً يوجد عاشقات وضعن حداً لحياتهن عندما فشلن في الحب، أو صرخن تحت نار الحرائق التي شبت في صدورهن عندما أحببن.
من الفئة الأولى يروي رجاء النقاش حكاية وصال قباني شقيقة الشاعر نزار قباني التي قتلت نفسها لأنها لم تستطع أن تتزوج حبيبها لسبب أو لآخر. نزار يقول ان أهلها حالوا بينها وبين من أحبت، فانتحرت. آخرون يجزمون بأن من أحبته وصال فضّل أخرى عليها فتزوجها، ففقدت وصال عقلها وانتحرت. والغريب ان الشخص الذي أحبته وصال وتزوج سواها رزق ببنت، فلما بلغت مرحلة الصبا أحبت شخصاً حباً جارفاً سرعان ما تركها إلى سواها. عندها انتحرت هذه الفتاة بدورها!
أما العاشقات اللواتي صرخن تحت ضرام حرائق الحب التي شبّت في صدورهنّ، فمنهن شاعرة مصرية اسمها جليلة رضا تصف في قصيدة لها مشاعرها الملتهبة عندما قبّلها حبيبها فهتفت في القصيدة «أوّاه» وهي عبارة سببت لها متاعب كثيرة مع أهلها ومجتمعها.
تقول جليلة رضا في قصيدتها «الزيارة الرهيبة»:
فهناك تحت السلم المهجور
في الركن الأمين
يا للظلام العبقري
ويا لاطياف السكون
والشعر منسدل على الكتفين
اسرى به عبث الهوى
عيناي في عينيه تمتزجان
في ضوء حنون
وتود لو خلت السلالم
واستراح العابرون
ثم تقول الشاعرة في أنوثة صارخة:
أّواه كم كانت لنا تحت السلالم ذكريات..
ثم تصف جليلة رضا القبلة التي احرقت شفتيها، فتقول عنها:
أسقيتني فيها رحيق المنى
وخلتها لن تنطوي او تفوت
فلمَ وكيف لم أمُت وها انا
اكاد من تذكرها ان اموت..
وهكذا تعترف جليلة في صراحة وجرأة بانها كادت تموت من مجرد تذكر هذه القبلة..
في زمن جليلة رضا (النصف الاول من القرن العشرين) كان حديث شاعرة عن الحب والقبلة والذكريات العاطفية من الامور التي تثير الدهشة..
على ان المهم في الموضوع ان احدى الجرائد المصرية كتبت يومها عن جليلة رضا ونشرت لها قصيدتها هذه، فما كان من شقيقتها «نعمات» التي قرأت ما كتب عن شقيقتها، الا ان تسرع اليها مؤنبة موبخة، قائلة لها: «وكمان بتقولي اواه»؟
ويروي الكتاب حكايات كثيرة منها ان الشاعر ابراهيم ناجي كتب قصائد عاطفية كثيرة في فنانات كثيرات منهن سامية جمال وزوزو نبيل وزوزو ماضي وزوزو الحكيم. ومما قاله في سامية جمال:
يا من تمنيت شعرا
يكون كفء جمالك
وليس في الكون شعر
اراه كفئا لذلك
عفو القوافي وعذرا
ان قصرت في سؤالك
حاولت وصفك لما
رأيت نور هلالك
فحررت ما قلت شيئا
يليق باستقبالك
يا فتنة فوق ظني
بالله مالي ومالك..
«بالله مالي ومالك» تفيد خوف الشاعر من ان يتحول الى صريع غانية او غوان، شبيه بصريع الغواني القديم..
ولا شك في ان مثل هذا الشعر ادخل في باب الغزل منه في باب الحب. فالحب هو ابن قلب يحترق، لا ابن عين تصف..
ويروي رجاء حكايات اكثر دسامة وسخونة عن قلوب تعذبت بالحب. فعباس محمود العقاد احب الممثلة المصرية مديحة يسري حبا حقيقيا. كان هو في الخمسين في حين كانت هي في العشرين. وقد ادرك العقاد في البداية ان هذا الحب في خطر شديد. ومع ذلك فقد عاش العقاد في ظل هذا الحب سنوات عديدة ذاق فيها طعم السعادة. ولكن ما كان يخشاه قد حدث، وذلك حين تعرفت هذه الحبيبة السمراء الجميلة الى النجم السينمائي احمد سالم فاختطفها فورا للعمل في السينما، وتزوجها بعد ذلك. عندها قرر العقاد ان يضع حدا لقصته العاطفية المشتعلة معها التي دامت حوالي خمس سنوات، اي من سنة 1939 حتى 1944. ما حصل بعد ذلكيرويه الفنان صلاح طاهر الذي كان قريبا من العقاد: «ذات مرة كنت مع الاستاذ العقاد في شقته، ودخلت غرفة لاتحدث في الهاتف، فناداني العقاد بلهفة: «يا صلاح! تعال لا تتصل الآن»، ورجعت اليه فوجدت الدموع في عينيه فاخبرني انه ينتظر على امل ان تتصل به محبوبته الممثلة التي قاطعها منذ اربعة اشهر، ووجدت مدى تأثره بفراقها رغم قدرته الخارقة على التحمل والكتمان، وتناقشنا في قضية نسيانها، واقترح عليّ ان ارسم لوحة فنية عبارة عن «تورتة» شهية جدا يتهافت عليها الذباب، وبالفعل انجزت اللوحة ووضعها العقاد على الحائط مقابل سرير نومه، وكلما استيقظ رأى اللوحة التي ساعدته على النسيان، في تلك الفترة كتب العقاد قصيدته «يوم الظنون»، وفيها يقول:
وبكيت كالطفل الذليل انا الذي
ما لان في عصب الحوادث مقودي!
في كتابه يروي الكاتب المصري الكبير الراحل حكايات كثيرة مؤثرة من الشرق والعرب، منها حكاية جواهر لال نهرو مع زوجته وحبيبته «كمالا»، وحكاية جون كنيدي مع مارلين مونرو، وحكاية بنت الشاطئ مع امين الخولي، وحكايات فدوى طوقان الرومانسية مع عشاقها، ومن هذه الحكايات المؤثرة حكاية المطرب عبده الحامولي مع المطربة «ألمظ»، وقد تزوجا فيما بعد، ولكن لترحل «ألمظ» قبله بعدة سنوات وليحترق قلب الحامولي حسرة عليها فيغني مواويل كثيرة شوقا اليها، منها هذا الموال:
شربت المرّ من بعد التصافي
ومّر العمر ما عرفتش أصافي
عداني النوم وافكاري توافي
عدمت الوصل، يا قلبي عليّا!

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy