• ×

08:08 صباحًا , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

باولو كويليو: إدراك الموت يحثنا على عيش الحياة بشدة أكبر!

 0  0  1.2K
 
عبر روايته «فيرونيكا تقرر أن تموت»

باولو كويليو: إدراك الموت يحثنا على عيش الحياة بشدة أكبر!



لكل روائي عالمه الخاص.. بصمته التي لا تشبه اخرى. يتفرد باولو كويليو بالانفتاح على العالم بثقافاته المتعددة.. واطيافه المختلفة، ويتعاطى مع الانسان.. داخليا/خارجيا بما انه انسان.. يوسع دوائر شخصياته وحيزه الروائي بالمعلوماتية، تلك التي تضفي سحرا خاصا.. يجذب الى القراءة ويأخذ الى المعرفة في آن!
كويليو «الخيميائي» و«احدى عشرة دقيقة» هو ايضا صاحب «فيرونيكا تقرر ان تموت» وفيه يصطحب متلقيه الى «فيليت».. الى المصحة النفسية.. ليعري له عالم المجانين.. هكذا تبدأ اللعبة، لكنها تستقر في الذات.. بعشرات الاسئلة، يظل اكبرها: من هم المجانين؟
انها اسئلة جوهرية.. ربما يرددها ملايين الناس يوميا.. لكن كم من هؤلاء الملايين يصل الى جواب.. يطمئن له.. يريحه؟
باولو كويليو.. احد اهم الكتاب الروائيين العالميين في عصرنا الحالي.. لا يكتب الا اثر شحنة معلوماتية كبيرة.. عن العالم الذي سيخوض حيزه بشخصيات ورقية تبدو كما لو كانت من دم ولحم!
ہہہ
منذ الصفحة الاولى.. يضعنا كويليو امام بطلة عمله «فيرونيكا» اذ يجيء في ص13: «في الحادي عشر من تشرين الثاني 1997، قررت فيرونيكا ان لحظة الموت قد حلت اخيرا، اللحظة التي تضع حدا لحياتها، اعتنت جيدا بنظافة الغرفة التي كانت قد استأجرتها في احد الاديرة، اطفأت التدفئة، نظفت اسنانها، ومددت جسدها على السرير».
هكذا كان الموت قرارا اتخذته «فيرونيكا» بالانتحار، تخلصا من حياتها، ولما كان لا بد من سبب للموت، وهنا يضع كويليو سببين لهذا الموت/الانتحار.. الاول حقيقي يعود لكونها امرأة تعيسة القلب.. محبطة النفس دوما.. تحيا حياة مريرة.. لكن الثاني/المعلن والذي سجلته في رسالة كتبتها بعد ما تناولت اقراص الحبوب المنومة ان ما دفعها الى الانتحار تساؤل جاء بإحدى المجلات الوسط اوروبية جاء في مقال لأحد كتابها، اين تقع سلوفينيا؟
تحدى الكاتب القراء الوصول الى الاجابة.. لذا كتبت فيرونيكا رسالة اخيرة، توضح للكاتب الصحافي اين تقع بلادها! وكيف ان هذه الرسالة حينما سيجدها الآخرون الى جوارها فسيخلصون الى ان انتحارها جاء بسبب قضية بلادها:
لايمكن هنا تجاوز تلك المحاولة من راغبة في الموت/منتحرة.. ان تغير رأيها وتزيف الحقيقة، وان كانت في اخر لحظات عمرها.. حيث لم تكن مشاكل العالم.. او حدود بلادها ومشاكله الجغرافية مايشغلها.. هذا لا يجيء عبثا.. لكنها محاولة التجمل الاخيرة.. لانسان يهرب من الحياة بالانتحار.. ومن الحقيقة الى ظل لها!!

كويليو داخل العمل!

وضعنا باولو كويليو امام حالة تستدعي المعلوماتية، خاصة الطبية منها والتي تتعلق بالجنون والمرضى النفسيين تحديدا، ودون موارة يقدم الكاتب البناء الروائي.. حيث نقرأ ص 13: «وبما انها لم تكن على يقين من الفترة التي تستغرقها لتفقد الوعي، فقد وضعت مسبقا على السرير آخر عدد من مجلة «أوم» الفرنسية التي وصلت مؤخرا الى المكتبة، حيث كانت تعمل، هي في العادة لاتولي علم الكمبيوتر اهتماما خاصا.. لكن وفيما كانت تتصفح المجلة، وقعت على مقال حول لعبة من ألعاب الكمبيوتر.. ابتكرها باولو كويليو، وهو كاتب برازيلي.. صدف ان التقته يوما، خلال محاضرة في مقهى فندق غراند يونيون.. تبادلا الحديث يومها، بضع كلمات.. ادت الى تلقيها دعوة الناشر لمشاركته العشاء.. شعرت بمجرد لقياها الكاتب، انه اصبح جزءا من عالمها...».
هذا التدخل من الكاتب باسمه يحيلنا الى امرين: الاول استغلاله البارع للقاءاته الانسانية.. ونسج اعماله الفنية من خلالها إثر وعي كبير بالحالة واللحظة، اما الثاني فيجيء كسرا للحاجز/ الجدار بينه وبين الشخصية.. فهو موجود شحما ولحما داخل العمل دون مواراة.. او كثير من الحيل!

كشف لعالم

تدخل فيرونيكا المصحة النفسية، ولانها لن تكون وحدها.. وسيصبح عالمها جزءا من عالم اكبر بشخصيات مختلفة وقصص تتباين ظروفها واهداف اصحابها.. وماكانت فيرونيكا الا مفتاحا يفتح بابا، ندخل من خلاله الى عالم المجانين، ايضا العلم... ذلك الذي يمثله الدكتور «ايغور» مدير المستشفى، لتبدأ اللعبة الروائية... بكشف واقع الشخصيات... وملابسات تحولها الى ذي المكان، كيف عاشت قبل... وكيف تعيش الآن... وكيف هو المستقبل!
واذا كان لكل عالمه، فنحن حينما نقبل بلعبة الحياة، مشاركين الآخرين ايامنا، سواء في اسرة بالمنزل، او مجموعة زملاء العمل، او رفاق واصدقاء مقربين...فاننا لن نكون بكامل حريتنا، سوف يكون هناك مساحة من تلك الحرية... مسلوبة من الآخر... ربما وفق صيغ واعراف...قد تكون مجتمعية او دينية...ربما ذاتية!
ودائما هناك بين الانسان وبين ما يريده، مسافة من الصراع، هذا الذي يشتد ربما في الداخل...انها البؤرة/النواة التي تدور في فلك الذات... ربما لتحدد مصائرنا، كل بحسب صراعه وحدته!
الطبيب «ايغور» يعلن لفيرونيكا انها لن تعيش اكثر من اسبوع ـ هذا الزمن هو زمان الغوص داخل الشخصيات، زمن الرواية... اسبوع واحد... والسؤال الحري بإجابة: ماذا وكيف حينما يعرف الانسان ـ خاصة ابان عنفوان شبابه ـ ان كل ما تبقى له في الحياة... ان هو الا اسبوع؟
جواب السؤال يأخذنا الى عالم روائي فلسفي ينبش في الانساني... هذا الذي اختار له حالات بعيدة... فوق او تحت الحياة قليلا...
عالم المجانين... ليقضي بنا الى تساؤل آخر: من هم المجانين... هل هم الذين يعيشون وراء اسوار المصحات النفسية، ام هم الذين خارجها؟!

الجنون

حاول كويليو تعريف الجنون في اكثر من موضع في الرواية... وعلى لسان اكثر من شخصية، ذلك التعريف الذي يخدم فكرته عن الحياة... والذي ـ لا شك ـ يخدم بناءه الروائي... فجاء في ص 44:«تلفظت فيرونيكا بكلماتها همسا: «لا ادري ما معنى مجنون» لكنني لست مجنونة... انا مجرد فاشلة في محاولتي الانتحار».
تجيء الاجابة على تساؤلها من مريضة تدعى زيديكا نزيلة في المصلحة معها: «كل من يعيش في عالمه الخاص، يكون مجنونا، كالفصاميين أو المضطربين عقليا أو المهووسين، أعني الاشخاص المختلفين عن غيرهم».
هنا والآن.. لن نناقش معنى الجنون، تماما كما يفعل كويليو.. فيناقش الحياة.. الحرية.. الحدود، الفواصل.. إنه لا يترك جزئية إنسانية دون تناولها.. تجريبها على عالم المجانين.. مسقطاً على العقل والعاقلين، من خلال معلوماتية تجيء في وقتها.. عند الحاجة إليها.. ما يعنى أن رواية اليوم.. لا ترتكز في بنائها على الخيال وحده.. كما لو كان الانفصام أن نهجر العلم.. ونشطح خيالا في الابتعاد والنأي عنه!

معلوماتية

نقرأ في ص125: «سأموت هنا بالذات، في السينما» وكانت على اقتناع بإدراكها لما يحدث لها.. فقد مات صديق لها منذ سنوات، عديدة، في صالة السينما، جراء اصابته بالأنوريسما في الدماغ.. والأنوريسما كالقنابل الموقوتة، أعراضها، توسع في الأوردة.. يتشكل على طول الشرايين، كالضغط الذي ينفخ الإطارات المهترئة.. وهي تلازم جسد الانسان مدى حياته من دون أن يتم اكتشافها.. ولا أحد يدري أنه مصاب بالأنوريسما إلا إذا اكتشفه عرضا عبر تخطيط الدماغ بصورة إشعاعية...».
إنه الاستعداد لخوض تفاصيل طبية.. تخدم طبيعة شخصيات العمل، تماما كما في رواياته السابقة، ولا يتم التضفير هنا إلا وفق فنيات يحتاجها الحكي الروائي.. ومن خلال اسلوب شائق لا يفقد المتلقي.. متعة القراءة.
جعل كويليو هذا الاسبوع/الزمن.. كاشفا لتفاصيل الحياة، سواء تلك التي عاشتها فيرونيكا، معتقدة أنها آخر أيام لها في الحياة.. فتجرب فيها بشجاعة ممارسته الحرية.. الاختيار.. البوح.. العزف، كأنما أعادت اكتشاف ذاتها.. وإذ تفعل تحظى بالمكافأة.. الحياة الممتدة كسائر البشر!
إن الطبيب «ايغور» كذب عليها.. حينما أخبرها أنه ليس أمامها سوى أسبوع تحياه.. أما لماذا فعل إيغور هذا.. يجيبنا باولوكويليوفي ص218: «كان يجب أن تمتلك الوقت الكافي كي تفكر بالموت، وتعيد النظر في حياتها كلها.. فكما جاء في الفصل الاخير من أطروحة الدكتور ايغور فإن فيرونيكا ستبدأ بإزالة الفيتريول كلياً من جسدها وتعدل عن تكرار محاولتها الانتحار، وبذلك سيأتي عنوان هذا الفصل كالتالي، إدراك الموت يحثنا على عيش الحياة بشدة اكبر».
تعيش فيرونيكا حياتها.. تبدأها من جديد بعد ان تصل الى حقيقة ذاتها.. وتحظى بمشاركة الحبيب، هذا الذي تعرفت إليه داخل المصحة «إدوارد» وبعد ما اكتشفت براعتها في العزف على البيانو داخل المستشفى.. عليها ان تبدأ المشوار بالمعرفة.. معرفة الذات وإدراك القدرات.. مع الحب والنبض.. لأن الحياة بكل ما فيها.. تستحق ان نعيشها لا أن تهرب منها بالانتحار.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy