• ×

10:27 صباحًا , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

غامرت بحياتي من أجلك يا لبنان!

 0  0  1.8K
 تأليف: نقولا نصر

الناشر: دار المراد- بيروت

روايات الحرب اللبنانية على مدى ثلاثين عاماً تكاد لا تنتهي. فيها من المآسي ما تقشعّر له الأبدان، وفيها من البطولات ما يحار العقل في وصفه. لكن تلك الروايات كافة جرت وقائعها فوق الأراضي اللبنانية، أما رواية شارل يعقوب في الكتاب الذي وضعه نقولا نصر بعنوان «غامرت بحياتي من أجلك يا لبناني!» وصدر عن «دار المراد» فقد حدثت فوق الأراضي الكندية.

مغامرة موثّقة ابتداءً من أوّل خطوة قام بها شارل في اختطاف أوتوبيس قرب مدينة مونريال ليلفت أنظار العالم الى ما يحدث في وطنه لبنان، وحتى خروجه من السجن عالي الجبين موفور الكرامة، لأنّ الدافع الذي حداه على تلك المغامرة هو الوجع الذي تملّك قلبه لما يعانيه بلده الممزّق.

إثر الأحداث اللبنانية التي اندلعت شرارتها من «عين الرمانة»، الضاحية الشرقية للعاصمة بيروت، وسرعان ما امتدت الى سائر المناطق حيث اتخذت المعارك شكل القصف العشوائي للأحياء السكنية، سلك عدد كبير من المواطنين طريق النزوح إلى أماكن أخرى، أو دروب الهجرة الى الخارج.

تحت إلحاح أهله المستمر، قرّر شارل في نهاية صيف 1976 السفر الى كندا ونزل عند إحدى قريباته. ما أن استقر به المقام حتى تابع دروساً في المحاسبة وانخرط في العمل، ثم ما لبث أن تزوّج من إحدى الكنديات فأنجبت له ولدين، وحصل على الجنسية الكندية عام 1987.

لم يغب لبنان يوماً عن مخيلة شارل، فقد كان ماثلاً في قلبه أبداً. يتتبّع أخباره يومياً في الإعلام، ويتصل بأهله وأصدقائه أكثر من مرة أسبوعيا، يطمئن عليهم ويسأل عن الأحوال المستجدة. هل كان من المتوقع أن يقوم هذا الشاب، الذي بنى حياته بعيداً عن الأحزاب وعن الأجواء السياسية في وطنه، بمغامرة تؤدي به إلى السجن وتجعل حياة عائلته جحيماً؟ أية مشاعر يائسة كانت تتفاعل في صدر هذا الشاب كي تدفعه الى ما قام به؟

يقول المؤلف: «في الوقت الذي أقدم فيه شارل على عمليته، كان الوضع الأمني في لبنان متوتراً وخطيراً للغاية. الحرب التي كانت اندلعت عام 1975، بلغت ذروتها عام 1989... وعين الرمانة، حيث كان يسكن أهل شارل، نالت نصيبها من الويلات، مما أثار غضبه وشكل أحد الأسباب التي دفعته الى الإقدام على ما أقدم عليه في مونريال».

صوت الوالدة

أما الأسباب فيعزوها الى إحجام الإعلام الكندي عن تغطية التظاهرة اللبنانية الحاشدة التي حصلت أمام البرلمان الكندي في أوتاوا وشارك فيها مختلف الطوائف ضد الاحتلال السوري للبنان. إضافةً الى استلامه من أهله «كاسيت» سمع من خلالها صوت والدته ووالده يرويان له وقائع الحرب المجنونة مقرونة بدويّ القذائف المتناثرة قرب بيتهما.

تألم شارل كثيراً واجتاحته ثورة ضمير وغضب، وشرعت السيناريوهات تتوارد في ذهنه للقيام بعملٍ يشد اهتمام العالم الى ما يعانيه لبنان من عذابات لا تنتهي.

ودّع زوجته باكراً وغادر وفي حوزته مسدس وكتاب. فكّر في مهاجمة وزارة العدل في مونريال أو بورصة مونريال، لكنه تراجع الى أن قرّر الاستيلاء على أوتوبيس أميركي متوجّه من مونريال الى نيويورك وتحويل مساره الى باحة البرلمان في أوتاوا، معتبراً أن هذا الخيار يحرّك الرأي العام في كندا وأميركا على حدّ سواء.

صعد شارل الى الأوتوبيس، وبعد مضي ربع ساعة توّجه نحو السائق رافعاً مسدسه وطلب منه تحويل اتجاهه الى ساحة البرلمان. ارتعب السائق والركاب مما شاهدوه لكنه قال لهم على الفور: «لا تخافوا... أقوم بعمل رمزي لفتاً لنظر العالم الى المآسي التي تحل في وطني لبنان». بعدها أنزل أحد الركاب ليخبر السلطات وتابع الأوتوبيس رحلته الى الهدف المنشود.

طوال خمس ساعات أخذ «الخاطف» يشرح للركاب المنتمين الى جنسيات مختلفة دوافع عمله. حمل بيده كتاباً بالفرنسية كان صهره الاستاذ نقولا نصر أصدره متضمناً صوراً لمشاهد القصف والدمار والقتل خلال الوجود السوري على الأرضي اللبنانية.

استوعب الركاب مقصد شارل وتفهموا نواياه التي لا يشوبها أيّ أذى، بل جلّ ما في الأمر رفع الغشاء عن أعين المسؤولين الغربيين ليتحسّسوا معاناة شعبه. حاولت راكبة أرمنية ثنيه عن عزمه لكنه أبى. لدى وصول الأوتوبيس أمام البرلمان كان البوليس يجهل كل شيء عن العملية، فتقدم أحد أفراده وإذا بشارل يبادره بطلقتين من مسدسه موجهتين بالقرب من رجليه.

في تلك الأثناء، يقول شارل، كان مجلس الوزراء الفدرالي مجتمعاً في البرلمان مع أعضاء مجلس النواب. حدثت بلبلة وراح الجميع يخلون المكان تباعاً، وتحوّل محيط البرلمان الى جبهة حرب تحسباً لمجابهة عمل إرهابي محتمل.

في خطوة ثانية طلب شارل من الراكبة الأرمنية النزول وتسليم البوليس بياناً خطياً بالفرنسية يوجز مطالبه التي يدين من خلالها الاحتلال السوري للبنان والمطالبة الفورية بانسحاب سورية مع التنظيمات التي تخضع لمشيئتها.

استمرت المفاوضات في جوّ محفوف بالمخاطر، ولم يقبل الركاب بمغادرة الأوتوبيس بل شجعوا «الخاطف» على البقاء حتى تلبية مطالبه. أسبغت تلك المبادرة من الركاب على المغامرة هالةً من التعاطف النبيل الذي لم تلق مثله أيّة عملية خطف سابقة في أرجاء العالم.

عندها قرّر شارل تسليم نفسه، فألقى مسدسه خارجاً ونزل باتجاه البوليس حاملاً بيده الكتاب ومعرّفاً بنفسه مسؤولاً عن عملية الاختطاف. أحاط به أربعون رجل أمن موجهين السلاح الى رأسه، فأكد لهم عدم وجود متفجرات في الأوتوبيس. طلبوا منه الانبطاح أرضاً، فصرخ الركاب من داخل الأوتوبيس: «شارل لم يسئ إلينا، ولم يكن ينوي الإجرام».

الارهاب

أدخلته فرقة مكافحة الإرهاب الى داخل البرلمان، فوجد نفسه في قاعة يتصدرها ثلاثة ضباط كبار. فكّوا أغلاله وسألوه إذا كان جائعاً أو عطشاناً، فشكرهم، وإذا بكبيرهم يقول له: «أريد أن أطرح عليك سؤالاً واحداً: من دفعك الى القيام بهذه العملية؟» عندها وقف شارل وضرب الطاولة بيده صارخاً: «من دفعني؟ 300 ألف قتيل وشهيد لبناني سقطوا خلال الحرب على أرض لبنان!».

لدى سماع الضباط هذا الكلام الذي حرّك فيهم المشاعر الممزوجة ببعض الإعجاب، وقفوا وصافحوه قائلين: «نهنئك لشجاعتك... فهمنا كل شيء... ندعو لك بالتوفيق».

يسرد الكتاب بفصوله اللاحقة أموراً جديرة بالاطلاع عليها ومعرفتها، تتضمن مجريات المحاكمة والأحكام النهائية، ووقع العملية على الرأي العام الكنديّ، وأعباء المحاكمة المادية، وحالة شارل النفسية ووضعه العائلي. لا بد من الإشارة أيضاً الى المستندات والصور ومقتطفات الصحف الكندية واللبنانية.

أبدى لنا هذا الكتاب أن المقاومة اللبنانية لكل احتلال مزروعة في ضمير اللبناني أينما حلّ، وأنّ شارل يعقوب هو من المقاومين الأوائل الذين وضعوا أرواحهم على مذبح الشهادة من أجل حرية وطنهم وسيادته قبل أن يتبجح الآخرون بعد سنوات عدة محتكرين صفة السياديين الأحرار

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy