• ×

04:35 صباحًا , الخميس 16 يوليو 2020

قائمة

السياقة في رام الله.. مفهوم مختلف

 0  0  617
 أربعة مشاهد أجدها كافية لتصف حالة السائق الفلسطيني، الأول: إذا كنت تقف على الإشارة وكانت حمراء، لا تستغرب إذا لم يتوقف السائق الذي خلفك عن الضغط على البوق (الزمور)، فهذا السائق يعرف بالثانية متى تتحول الإشارة إلى برتقالية ثم إلى خضراء، خاصة إذا كان سائقا عموميا، ولا تستغرب حتى إذا كان هذا السائق أمامك، لأنه سيرفع قدمه عن الفرامل تدريجياً حتى يصبح وسط المفترق، وعليك أن تعرف قبل أن تشتم أن هذا السائق هو أكثر السائقين وقوفاً وراء الحواجز الإسرائيلية بحثاً عن رزقه، وبالتالي الأقل صبراً.
المشهد الثاني: تقترب السيارات من الإشارة الخضراء، فجأة تتحول إلى برتقالية: يمر من يمر، ويفترض أن تستعد السيارات الأخرى للوقوف، لكن هذا لا يحدث، فتستمر السيارات بالمرور حتى وإن تحولت الإشارة إلى حمراء للتو. ويعزي السائق نفسه قائلاً: «الآن تحولت إلى حمراء.. هل من المعقول أن أنتظر الإشارة منذ بدايتها؟». لا تتعجب فهذا السائق هو بالتأكيد أكثر من شعر بالملل في انتظار خروج قريب أو صديق أو حبيب من السجون الإسرائيلية.

حياتهم طريقهم واحد
المشهد الثالث: أعرف شارعين أو ثلاثة في رام الله بثلاثة مسارب، وعند الإشارة يفترض أن الذاهب إلى الجهة اليمنى أن يتوقف في المسرب الأيمن، وكذلك الأيسر، لكن ما يحدث هنا هو أن الذاهبين إلى الأمام يغلقون المسارب الثلاثة كي يكونوا في أول الصف، وتضطر بقية السيارات الذاهبة إلى اليمين مثلاً إلى أن تتوقف رغم أن إشاراتها مفتوحة. هؤلاء أيضاً يبدو أنهم لم يصدقوا أن هناك أكثر من مسربين، فحياتهم تسير في طريق واحد، ويعون جيداً أنه يؤدي إلى أفق سياسي، عفواً إلى طريق مسدود، فلا داعي للقانون.
ومع ذلك، فالأمر ليس بهذا السوء، إذ مع حملة رجال المرور وانتشارهم في الشوارع، أصبح الوضع أفضل قليلاً، ورغم ذلك أيضاً فأنا أقف الآن على أحد مفارق شارع رام الله ـ القدس، أريد أن أدخل الشارع، لكنه مزدحم والسيارات مسرعة، وسائق السيارة خلفي لم تفلت يده عن الزمور، ولا أعرف ما المطلوب مني، هل أرمي نفسي لأن صبره غير الموجود فعلياً قد نفد.
إنني لا أتحدث هنا عن مجرد مواقف، لكنني أتحدث عن شعب نفد صبره، وأتساءل هل تعاني الدول الأخرى هوس شبح الانتظار مثلنا؟ أم معاناتنا وحالتنا جعلتنا هكذا؟
السائق الفلسطيني يعاني أشياء كثيرة تبدأ من لحظة التفكير في شراء سيارة ونوعها وموديلها، فهل يستحق هذا البلد هذه الشوارع السيئة، التي قد تتحول إلى سيئة فور مرور دبابة، أو قد تتحطم فور دخول الجيش البلد بسبب الرصاص والمجنزرات التي تزيح السيارات من طريقها وتكومهم فوق بعض لتسهيل مهمتها «الأمنية»، هل يستحق هذا البلد شراء سيارة؟ طبعاً إذا تجاوزنا هنا العائق المادي، لكن المواطن الفلسطيني كأي مواطن في العالم يبحث عن راحته وراحة عائلته، وإذا كان القرار نهائياً بالموافقة على شراء سيارة، و«الله هو المعوض» إذا ما حصل شيء، فأي سيارة؟

الاحتلال يبعد المسافات
المعاناة الأخرى هي أن السيارة الحديثة يجب أن تسير مسافات شاسعة، لكن أين هي هذه المسافة، إذا كان الاحتلال يمنع دخول جنين ونابلس مثلاً إلا بسيارة الأجرة، وإذا سمح بدخولها إلى الخليل فإنه قد يمنعك من العودة بها، أو قد تصادفك مجموعة من المستوطنين الذين يتربصون بالسيارات الفلسطينية على الطرق السريعة ليرمونها بالحجارة الكبيرة. حتى الآباء لا يستطيعون أن يأخذوا أبناءهم «رحلة»، بمعنى مشوار طويل، كي يتمتعوا بطوله، وهم يغنون، يتحدثون، ويضحكون إلى أن يصلوا المنطقة التي يحلمون بالوصول إليها، منطقة يشعرون فيها أنهم ابتعدوا عن مدينتهم، منطقة لا يعرفهم فيها أحد.

جنون القيادة
سائق السيارة هنا والعاشق للقيادة والسيارات، لا يستطيع أن يعيش متعة السير في الطرق السريعة Highway ولا التمتع بمتعة التجاوز في طرق واسعة، نظيفة، الزفتة مكتملة عليها، بدلاً من الشوارع المرقعة والمحفّرة، فعليه أن يكتفي بالسير في حدود المدينة، بل وفي حدود ثلاثة كيلومترات فقط، وحين يعود إلى المنزل سيحلم للمرة الألف أنه قاد السيارة واستخدم الغيار الرابع. لهذا كله نعيش هنا كثيراً جنون القيادة ومحاولة السير في شارع من دون توقف كل خمسمائة متر، على إشارة، أو ازدحام، أو حادث ما. لهذا نريد أن نلحق بالإشارة قبل أن تغلق، ونقول على الأقل في هذا الشارع وهذه الساعة كانت «طريقنا خضراء».

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy