• ×

07:04 مساءً , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

براغ تحتفل بربيعها... الذاكرة المستعادة

 0  0  715
 تحتفل براغ بذكرى مرور أربعين عامًا على الغزو السوفياتي، وأصبح ربيع براغ مصطلحًا سياسيًا في العالم، نتذكره ونعرف أنه وصل الى الخيبة. وتستعاد هذه الذكرى في خضم الازمة الروسية الجورجية.

من لا يعرف \'ربيع براغ\' من المهتمين بالسياسة والحرية؟ من لا يتذكر من جيل الستينيات تلك الانتفاضة التي حدثت في وجه الفولاذ السوفياتي. يحتفل ابناء براغ بذكرى ربيعهم الذي اصيب بخيبة لاحقا، لكنه بقي حاضرا في ذاكرتهم كعلامة من علامات الوقوف في وجه النظام التوتاليتاري، كتب الكثير عن هذا الربيع وهو يبقى ظاهرة في تاريخ الأمم صورة خالدة لرغبات الشعوب بالانتفاض على الاحتلال. كان كونديرا شاهدا على «ربيع براغ»، الذي هشّم وجه الاشتراكية الإنساني، وجاءت روايته «المزحة» تعبيرا عن تلك المرحلة. كُتبت تلك الرواية ببراعة وعلى نحو محكم الدقة، وكانت إقرارا بعدم جدوى الحياة في ظل الحكم الشيوعي. شارك الرئيس المثقف فاتسلاف هافل في هذا الربيع الرمزي الذي سُحق، وبات مصطلحا سائدا في أصقاع الأرض من الصين الى دمشق وبيروت. بعد الغزو السوفياتي، دُمرت الحياة الثقافية الحرة ومُنع الأدب التشيكي الذي صار متداولا عبر المخطوطات وظهرت تجارب مميزة في السبعينات منها تجربة بوهميل هربال.

صحيح أن «ربيع براغ» انتهى بدخول الدبـابـات السـوفـيـاتـيـة وإعادة احتـلال الـبـلاد بـكامـلهـا، لـكـن توالي الأحداث في التسعينات أكد أن الحرية التي دفعت براغ ثمنها غالياً عادت لتثبت وجودها وعادت تـشـيـكـيـا الى استـقـلالها بعـد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي السابـق.

في كتابه «الضحك والنسيان»، يتذكر بطل الرواية كارل والدته وسلوكها الغريب أثناء اجتياح 1968 عندما اجتاح الروس براغ. قبل أسبوع، طلبت والدته من الصيدلي أن يأتي ليقطف شجرة الإجاص التي نضجت في حديقتها. «لكنه لم يأت ولم تستطع والدتي أن تغفر له أبدا». بدايةً، اغتاظ كارل من موقف والدته الشخصي غير السوي: «الجميع يفكرون في الدبابات، وأنت تفكرين في الإجاص». لكنه مع مرور الزمن بدأ يتعاطف مع منظور والدته، « آه، نعم! في الواقع إن أمي على حق. الدبابات فانية، أما شجرة الإجاص فخالدة». هل قصد كونديرا بالدبابات الفولاذ الستاليني، وبالإجاص الحياة العابرة بلا أيديولوجيا التي يعيشها كل انسان خارج نطاق التعقيدات؟

الجهل

نقرأ في روايته «الجهل» ليس عن مواجهة الدبابات السوفياتية، بل عن لحظة سقوط الشيوعية سنة 1989. في مطار باريس تلمح البطلة ايرينا، وهي مهاجرة تشيكية تعيش في فرنسا أثناء عودتها الى براغ، شبح صديق قديم من بلادها هو جوزف الذي التقته صدفة في إحدى الحانات الشهيرة في تشيكوسلوفاكيا وتحدثت إليه واتفقا على لقائهما التالي في براغ ولم يلتقيا إلا بعد عشرين سنة.

كانت ايرينا غادرت براغ مع زوجها الى منفاهما الاختياري باريس سنة 1968 هرباً من وطأة الضغوط السياسية التي كان يتعرض لها، وبعد رحيله عن الدنيا راودها الحنين للعودة الى تشيكوسلوفاكيا مع أبنائها وأحد اصدقائها الأوروبيين الذي يقرر إقامة مشروع تجاري هناك.

ما يريد كونديرا قوله في النهاية أن بطليه يتعرضان للصدمة بعودتهما الى موطنهما الأصلي وأن كلا منهما يكتشف الوجه الجديد المفزع لبراغ وآثار الهزيمة العاطفية التي تقتل في أعماقه الرغبة في الاستمرار في هذا المكان.

أما غوستاف، صديق إيرينا، فيقيم في براغ بعد سقوط الشيوعية ويغوي صديقته بالعودة إلى وطنها الأم. غير أن براغ غوستاف مختلفة عن براغ إيرينا. براغ مدينة المال، تحل فيها اللغة الإنكليزية محل التشيكية باعتبارها لغة مشتركة.

يشرّح كونديرا الحياة الأدبية التشيكية وكيتشها من العام 1950 حتى اليوم، فيبيّن بشكلٍ دقيق غناها وتنوّع التجارب الأدبية التي عرفتها وأهميتها على المستوى الأوروبي. اما ايفان كليما فنقيض مواطنه كونديرا على الرغم من نقاط التشابه الكبيرة بينهما. ثمة هوة عميقة بين طبعَيهما وأصولهما ومسارَيهما في الحياة. لكن هنالك في الوقت نفسه قرابة شديدة على مستوى استخدام الكفاح ضد اليأس السياسي وطريقة توقّف كل منهما عند النفايات الاجتماعية واستعدادهما الدائم للجدل وخلط الأنواع الأدبية وتعلّقهما بقدر المنبوذين.

يشير كليما إلى أن الثقافة التشيكية كانت تقود صراعاً مريراً ضد النظام التوتاليتاري شارك فيه المفكرون الذين بقوا داخل البلاد وأولئك الذين كانوا منفيين وعانوا كثيراً وضحّوا بحريتهم الخاصة ووقتهم وأحياناً بحياتهم، في حين أن كونديرا الذي حقق آنذاك شهرة عالمية لم يتضامن أبدا معهم ولم يشارك في هذا الجهد. آثر كونديرا الرحيل والعيش في المنفى، غير أن هناك من أصر على البقاء في البلاد رافضا الاستسلام ومتحملا عواقب البقاء والرفض. هذا ايفان كليما، يؤثر مهانة العمل كجامع للقمامة على مغادرة براغ والاقامة في الخارج كمنشق ومنفي، مع أنه كان في الولايات المتحدة ابان الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968، وامتلك ذريعة كافية للبقاء في الخارج، إلا أنه لم يفعل.

كان كليما قلقا من حاضره ومستقبله. في روايته «لا قديسون ولا ملائكة» يبدو كأنه يفكك هذا المشهد الحي في براغ الذي يرمز اليه بحالة التفكك والضياع العاطفي التي تعيشها العائلة التشيكية وهي تحاول أن تزيح عن كاهلها عبء التفكير في تاريخها الشيوعي السابق.

مشاعر

يلاحق الماضي بطلة روايته كرسينا بظلاله الثقيلة بدءاً بتاريخ ميلادها في يوم لا يشكل في ذاته منعطفاً تاريخياً مهمًّا في تشيكوسلوفاكيا وحدها فحسب، إنما على مستوى القرن العشرين بأكمله وهو اليوم الذي يرحل فيه ستالين عن الحياة. ليس ذلك فحسب، إنما هي المرحلة التي تشعر فيها بالتمزق الحقيقي بين مشاعر الفرح والألم، بين حياتها النزقة المتواضعة في مجتمع براغ، في بيت تعيش فيه مع ابنتها المدمنة جانا لتوازن بين حياتها السابقة في هذا المجتمع وحياتها الجديدة المترتبة على ذلك كنتيجة حتمية.

بحسب رواية كليما، تنشأ في صيف 1998 بين كرسينا (45 عاما) وجان هونزا (30 عاما) علاقة عاطفية. على الرغم من أنها غير متكافئة، تبدو كرسينا مشدودة إليها لمبررات كثيرة منها أن هونزا هو ابن مواطن أقدم النظام السابق على اغتياله في الخمسينات في حين أنه يعمل الآن لدى الحكومة التشيكية ضمن نخبة شكِّلت للتحقيق في جرائم النظام الشيوعي السابق. على الرغم من أهمية تلك المبادرة، لم يشعر بالارتياح لاكتشافاته الجديدة، إذ سرعان ما حلَّت اللجنة تحت ضغوط متزايدة من الحكومة التشيكية وتسريح أفرادها على نحو شديد البساطة.

تزداد التحولات قتامة عندما يمتد الصراع لتتوسع جبهة المواجهة في المرحلة الجديدة على الرغم من إحاطتها بإطار من الحرية على نحو لم يتوقع معه أحد أن تصير مرحلة صراع حقيقي، على مستوى القيم الأخلاقية المادية الجديدة التي تهدد كيان الأسرة التشيكية.

مجتمع براغ كما تصوره رواية كليما ممزق، حتى كرسينا نفسها تعيش ممزقة بين تفكيرها في نفسها وتفكيرها في ابنتها وبيتها وتعثّرها العاطفي.

تشتمل روايات كليما، وإن تمحورت مواضيعها حول هاجس التحوّل السياسي في بلاده، على خطاب آخر لا يقل أهمية، هو خطاب الحياة في معناه الواسع بما في ذلك الديكتاتورية والرقابة والحب.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy