• ×

06:00 صباحًا , الثلاثاء 18 فبراير 2020

قائمة

أسرار الصندوق الأسود (1)

 0  0  4.3K
 تأليف: غسان شربل
قبل ان يصبح اسامة بن لادن المطلوب الاول في العالم، كان هناك كارلوس، الذي ارتبطت باسمه عشرات العمليات الارهابية حول العالم، منذ اطلالته الصاعقة في عملية اوبك، التي احتجز فيها وزراء نفط الدول المنتجة للنفط في اواخر ديسمبر من عام 1975.
لكن كارلوس، واسمه اليتش راميرز سانشيز، الفنزويلي الجنسية، «الأممي» الانتماء، الماركسي النشأة والمسلم حاليا (سجين في فرنسا)، لم يبزغ نجما فجأة، بل كان في بدايته كوكبا يدور في فلك وديع حداد (ابو هاني) أحد مؤسسي حركة القوميين العرب ورفيق جورج حبش في التأسيس وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبطل عمليات خطف الطائرات والعمليات الجريئة الاخرى، التي شغلت العالم وحبست انفاسه، خلال عقد كامل من السنين، بين نهايتي ستينات وسبعينات القرن الماضي، كانت عمليات ذلك العقد متقنة الاعداد والتنفيذ، عصية على الانكشاف، تحرك ضمنها وخلال تنفيذها جيش اممي من ثوريي ذلك الزمان، بينهم يابانيون واوروبيون واميركيون وجنوبيون وعرب واكراد، ومن الجنسين.. وبين هؤلاء من لمع لاحقا في مواقع ومراكز عليا في دولهم.
عالم الاسرار ذاك، الذي كان عالم وديع حداد، لم يكشف النقاب عنه كاملا، الروايات التي نسجت او تناقلتها وسائل الاعلام، بقي معظمها ناقصا، ذلك انها جاءت من «الخارج»، ولم تستق معلوماتها ممن هم كانوا داخل هذا العالم، بل في صميم الدائرة الضيقة التي حركته.
الزميل غسان شربل، رئيس تحرير صحيفة الحياة، وفي كتابه «أسرار الصندوق الأسود» الذي ننشر بعض فصوله تصدى للمهمة الصعبة، التي مرت سنوات من دون أن تنجز، الا وهي مهمة تقديم مشهد بانورامي لهذا العالم، يرسمه ويرويه «أبطاله» الحقيقيون واللاعبون الرئيسيون فيه، هؤلاء الذين احتفظوا طويلاً بالأسرار المكنونة في دواخلهم، ليجري تفكيكها اليوم من خلال رواياتهم التي ادلوا بها بعد ان ولى زمن كان زمنهم وجنحت السفينة التي كانوا يبحرون فيها في اتجاه آخر، أصبح لها معه ربابنة آخرون، يتقدمهم اليوم أسامة بن لادن.
أبطال تلك المرحلة يعمد غسان شربل إلى «استنطاقهم» بأسئلة ملحاحة، تتناسل من بعضها بعضاً، وهو يتقمص شخصية الخبير الذي تعود اليه مهمة تفكيك رموز الصندوق الأسود في الطائرة بعد سقوطها لمعرفة ما حصل طوال رحلتها.
الكتاب فصول تغلب عليها الحوارات، نتعرف فيها ومن خلالها إلى وديع حداد الذي لم نكن نعرف عنه سوى صورته «الرسمية» وهو يرتدي الحطة والعقال الفلسطينيين. ونتعرف على كارلوس أكثر من خلال حديثه المباشر ونقرأ تفاصيل عملية أوبك بخط يده. كما نتعرف إلى أنيس النقاش الذي اشتهر كبطل لمحاولة اغتيال شهبور باختيار، فيما هو كان الشخص الثاني في قيادة عملية فيينا. وإلى جانب هؤلاء، تبرز أسماء وشخصيات كثيرة، أسماؤها ضعف عددها، لأن كلا منها كان له «وكانت لها» اسمه الحركي. لكن قبل هؤلاء نستطلع المزيد عن شخصية جورج حبش.
وفي الرحلة بين متعرجات الأحداث التي حبست الأنفاس قبل أكثر من ثلاثين عاماً، نجدنا نحبس أنفاسنا ونحن نصطدم بالمفاجآت: رفيق الحريري كان في منزل وديع حداد.. جلال الطالباني كان عضواً في التنظيم.. خطفت طائرة اللوفتهانزا من أجل خمسة ملايين دولار.. روايات «أبطال» تلك الحقبة عن العمليات والأحداث تتقاطع في معظمها عند ترداد القصة الواحدة، إلا عندما يتعلق الأمر بعملية فيينا لخطف وزراء أوبك، الذين كان بينهم آنذاك وزير النفط الكويتي عبدالمطلب الكاظمي، وقد اعتبره منفذو العملية لأمر ما من «الأصدقاء» و«ثورياً».. هنا تجدنا أمام ثلاث روايات يختلف كل منها إلى حد التعارض. أحد مساعدي وديع حداد يقول إن هدف العملية كان قتل وزير النفط السعودي أحمد زكي اليماني ووزير النفط الإيراني جمشيد اموزيغار، كارلوس، وفي رواية بخط يده يقول شيئاً مختلفاً، ويجزم ان الزعيم الليبي معمر القذافي هو «العقل المدبر» للعملية، فيما يقول أنيس النقاش انه كان المخطط الأول للعملية وان الهدف كان مالياً، علماً بأن كارلوس لم ينف هذا الهدف، لكنه يشير إلى أن «الاتفاق» كان على أن تدفع الدول المعنية لاحقاً، لكنه يعتبر انه لم يصل اي مبلغ ويصف نهاية العملية بالكارثة.. هنا رواية كارلوس.

المحرر


هذه الرواية جاءت في رسالة مطولة بعثها كارلوس من سجنه، بواسطة محاميته وبخط يده، معتبرا انها الرواية الكاملة لما حصل في عملية فيينا لخطف وزراء اوبك، وقد كتب كارلوس هذه الرسالة بعد ان اغضبه ما جاء على لسان انيس النقاش بشأن العملية، وبالتالي سنلاحظ (بعد ايراد رواية النقاش) مدى الاختلاف والتناقض في العديد من التفاصيل كما سنلاحظ اختلافا عن رواية احد مساعدي وديع حداد.
رواية كارلوس تستحق الاهتمام لانه كان بطلها الاول.. وهنا التفاصيل:

مقر «اوبك»
فيينا، في الواحد والعشرين من ديسمبر 1975
انا اللاعب الوحيد في العملية الخارجية التاريخية للمقاومة الفلسطينية التي تميزت ببعدها الدولي المجيد، اذ واكبتها منذ اعدادها مرورا بمراحلها كلها، من التحضير الى التنفيذ، والمتابعة في ما بعد التنفيذ، لا سيما على الصعيد الامني واللوجستي والسياسي والدبلوماسي، وانا مخطط هذه العملية وقائدها العسكري، وذلك يمنحني الكفاءة لسرد سيرها بأدق تفاصيلها.
«العقل المدبر»: العقيد معمر القذافي.
التنسيق الاستراتيجي: كمال خير بك.
الاعداد: الدكتور وديع حداد.
التخطيط: اليش راميريز سانشيز.
التنسيق الخارجي: ويلفريد بوز.
التنسيق العربي: انيس نقاش.

كمال خير بك
كان الراحل كمال خير بك من الطائفة العلوية، ولد في منطقة القرداحة، وسكن في جوار عائلة الوحش التي عرفت في ما بعد بعائلة الاسد، وجلس على مقاعد الدراسة الى جانب رفعت الاسد، حكم على كمال صورياً بالاعدام اثر اتهامه باغتيال عدنان المالكي سنة 1955 في ملعب رياضي في دمشق.
انطلقت عملية «اوبك» مع كمال الذي كان عضوا في المجلس الاعلى للحزب السوري القومي الاجتماعي، وشارك في تأسيس منظمة ايلول الاسود، الى جانب الراحل فؤاد الشمالي وفؤاد عوض والشهيد علي حسن سلامة»، بتمويل من ياسر عرفات الذي قدم مليون دولار لهذه الغاية.

اللقاء مع القذافي
استقبل قائد الثورة الليبية الاخ العقيد معمر القذافي كمال في طرابلس الغرب نهاية اكتوبر 1975 واقترح عليه، او بالاحرى سأله ان كان بإمكانه تنفيذ عملية «اوبك» في 20 ديسمبر، عارضا عليه تزويده المعلومات والاسلحة والنفقات اللازمة. فأجاب كمال: «مستحيل، ليس لدينا الوقت الكافي، كارلوس هو الوحيد الذي يمكنه تحضير مثل هذه العملية في وقت قصير». وكان الدافع الاولي للقذافي اقدام السعودية على خفض اسعار النفط الى ادنى المستويات.
التقى كمال خلال زيارته طرابلس الغرب رئيس الاركان اللواء ابو بكر يونس جابر ورمضان، المسؤول عن العلاقات الدولية في حزب الاتحاد الاشتراكي العربي (الحزب الحاكم الوحيد) والذي اوكلت اليه مهمة متابعة العملية، واعطاه 30 الف دولار لتغطية النفقات الاولية وتكاليف السفر الى عدن (عاصمة جمهورية اليمن الديموقراطية التي تم توحيدها مع اليمن الشمالي).
سافر كمال اوائل نوفمبر الى خور مكسر (في عدن)، حيث اجتمع معي فور وصوله. واعطيته موافقتي شرط الحصول على رد ايجابي من زعيمنا وديع حداد (ابو هاني) الذي قال لاحقا: «هؤلاء ليسوا جادين» وسألني ان كان لدينا الوقت الكافي لتنفيذ المخطط. واذ تحدثت عن الموضوع مع ويلفريد بوز، اجبته «طبعا»، ان باشرنا فورا.

موافقة حداد
وافق ابو هاني (وديع حداد) على العملية شرط ان يقدم الليبيون المعلومات والاسلحة، رافضا تسديدهم نفقات العملية تجنبا لاي حيلة مالية قد يلجأون اليها، واوكل مهمة تسديد كل النفقات الى «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». وفوضني ابو هاني كامل الصلاحيات لتنفيذ العملية، وحملت الى بيروت رسالة وجهها ابو محمد المسؤول الاداري عن العمليات الخارجية في «الجبهة الشعبية» وعضو اللجنة المركزية...

توزيع «العمل»
قسمت الكوماندوز الى ثلاثة فرق ثنائية:
كارلوس، القائد: رشاش بيريتا + مسدس براوننغ الفائق القوة (HP) + قنبلتان يدويتان.
انيس نقاش، القائد الثاني للعملية: مسدسان من طراز براوننغ (HP) + قنبلتان يدويتان.
ندى: مسدس توكاريف + قنبلة يدوية.
يوسف: توكاريف + قنبلة يدوية + متفجرات + ادوات تفجير.
كلين: براوننغ (HP) + مسدس سميث اند ويسون + قنبلتان يدويتان.
جوزف: رشاش بيريتا + براوننغ (HP) + قنبلتان يدويتان.
كانت القنابل الدفاعية (الشظوية) التي في حوزتنا من صنع روسي. وفر لنا اللوجستية والحماية واحتياطي المقاتلين (مقاتلين اثنين) في فيينا 16 مناضلا دوليا من جنسيات مختلفة، تحت قيادة ويلفريد بوز.
قمنا بكل التحضيرات بمساعدة الليبيين من دون حساب النفقات، كما اقدمنا بامكاناتنا الخاصة على تخزين الذخائر لتسليح 12 مقاتلا. وخططنا لعمليات دعم وحددنا طريقا تخولنا الانسحاب باتجاه تشيكوسلوفاكيا.
روقب الهدف في صورة متواصلة حتى اليوم الاخير، ونجحنا
(كنت من ضمن الفرقة) في الدخول إلى مقر «أوبك» مرات عدة. وتمكنا من اطلاق العملية ابتداء من 20 ديسمبر، من دون أي تدخل من الليبيين.

الهجوم
دخلت المبنى أولا ولحقني الآخرون واحدا خلف الآخر، وكنا نتكلم بالانكليزية للإيحاء بأننا من طاقم الصحافيين. صعدنا الدرج باتجاه الطابق الاول وشننت الهجوم بتغطية من أنيس، مسيطرا بالكامل على الموجودين في قاعة الاستعلامات. لكن بدلا من انتظاري، مشى أنيس نحو اليمين ودخل قاعة المؤتمرات في آخر الممر، حيث اطلقت النار عليه. فوصلت خلفه وأحكمت السيطرة على القاعة بعد اطلاق للنار أدى الى مقتل الكابتن يوسف إزمرلي، معاون الوزير الليبي، وإصابة مفوض كويتي في ذراعه.
بعدها، تمركزت ندى ويوسف مكاننا في قاعة الاستعلامات، وعندما حاول شرطي نمساوي وموظفة في المبنى الفرار، أمرتهما ندى بملازمة مكانهما، وأصابت الشرطي برصاصة في ظهره، فعادت الموظفة أدراجها.
وكان يوسف وكلاين في مركز المؤخرة، يغطيان المصعدين والدرج. نزع كلاين سلاح الشرطي الممدد على الأرض، ومن ثم وضعه في المصعد بمساعدة ندى التي ضغطت على زر الطابق الأرضي، وتوفي الشرطي لاحقا في المستشفى.

مقتل الملازم العراقي
التقط الملازم العراقي علاء حسن، الذي تزيد قامته على قامة ندى بثلاثين سنتيمترا يدها من الخلف لنزع سلاحها، وعلى رغم أنه كان مصابا بذراعه، استمر في الإمساك بها من الخلف. فالتفت كلاين، الذي كان دمر جهاز الاتصالات برصاصات (أصابت إحداها السماعة التي توضع داخل أذن موظفة الاتصالات)، وأصاب الملازم العراقي برصاصة في جبينه. فترك علاء حسن يد ندى، ومشى ببطء قبل أن يسقط في المدخل. عندها، توجه كلاين نحوه وأخذ مسدسه الذي كان داخل القراب. وشهد على هذه الحادثة ما يقارب الاثني عشر نمساويا..
كان يوسف وكلاين متمركزين عند اول الممر، في الجهتين اليمنى واليسرى، واتت ندى فيما بعد لمساندتهما، وترددت ايابا وذهابا باتجاه الصالة، اطلقت الكويتي الجريح الذي استخدم حزامه لتضميد جرحه، وتبعه المترجم البريطاني الذي اوكلنا اليه نقل مطالبنا الى السلطات، هاجمنا فوج التدخل التابع للشرطة، ونجح القائد السابق للفيرماخت في دخول قاعة الاستعلامات، واطلق ثلاث رصاصات باتجاه يوسف، لكن الرصاص ارتد على كلاين، فأصيب برصاصة في اسفل بطنه، اما الرصاصتان الاخريان فثقبتا سترته ورجْل سرواله، اثر ذلك اصاب كلاين النمسوي برصاصة في مؤخرته. وتواجد الاثنان في ما بعد في الغرفة ذاتها في المستشفى.
رمى جوزيف قنبلة يدوية بأمر مني، أدت الى شل الهجوم، بعدها اطلقت سكرتيرة الامين العام لـ «أوبك»، وهي امرأة فائقة الجمال طويلة القامة، لمساعدة الشرطي الجريح على الخروج من المبنى ان اقتضت الحاجة، واخبارالسلطات بأننا سنقوم بعملية قتل جديدة سيكون نائب الوزير السعودي اول ضحاياها. وخرج الشرطي الجريح من المبنى وهو يقفز على رجله، حاملا سلاح الـ «عوزي» الخاص به من طرفه الأعلى بيده اليسرى (بالإبهام والسبابة)، وكنت ارافقه وفي يدي قنبلة نزعت صمامها..

توزيع الوزراء
توزع زوارنا على الشكل الآتي:
1ـ أصدقاؤنا: العراقيون والجزائريون والليبيون والكويتيون.
2ـ أعداؤنا: السعوديون والإماراتيون والقطريون.
3ـ الحياديون: الاندونيسيون والنيجيريون والغابونيون والإكوادوريون والفنزويليون.
4ـ موظفو المبنى.
اجمتعت بالوزراء الاحد عشر الموجودين، وكان وزيرا قطر والامارات العربية المتحدة قد غادرا الليلة الفائتة اثر الحصار السعودي، وخلال الاجتماعين اللذين قابلت فيهما الشيخ اليماني في مكتب الامين العام، طرحت عليه الاسئلة التي تهمنا. وتكلم الشيخ بطلاقة لكنه اجاب عن اسئلتي بأقل ما يمكن، حتى انه حاول رشوتي بطريقة حاذقة. وأعلمت طايع عبدالكريم بأن زعيمنا هو أبوهاني.
عاين الوزير النيجيري الطبيب، كلاين ونصح بإدخاله الى المستشفى سريعا. بعدها، حمل الوزير الجزائري بلعيد عبدالسلام كلاين الى الطابق الأرضي، وأجرى أول اتصال سياسي قبل العودة الى القاعة كما كان متفقا عليه.

فرح الكاظمي
فرح الوزير الكويتي عبدالمطلب الكاظمي كثيرا، لكونه اعتبر ثوريا هو والوزيران الاندونيسي والاكوادوري (الجنرالان الانقلابيان المعاديان للشيوعية)، الامر الذي يسر التبادل، من دون ان يضفي عليه طابعا حميما، وكان الوزير الغابوني الشديد اللطف من مؤيدي القضية الفلسطينية، فوجه الي دعوة باسم الرئيس عمر بانغو لزيارة بلاده. كنت امضي اوقات الراحة برفقة ثلاثة فنزويليين، ضاق صدرهم من الانتظار لشدة خوفهم. وكان الموفدون الثلاثة التابعون لدولتي قطر والامارات تائهين من دون وزرائهم. واستدعيت أخيرا جمشيد اموزيغار الذي اصيب بحال من الذهول منذ بداية العملية.

ذل وزير
اقترب الأخير من الطاولة التي كنت قد وضعتها بجانب يوسف، وبدا كأنه في طريقه الى المشنقة. مددت له يدي، فأمسكها بيديه الاثنتين وحاول تقبيلها. فشعرت بالحرج فسحبت يدي وأمرته بالعودة الى مكانه من دون اصدار اي صوت.. كان اموزيغار الوحيد الذي اهان نفسه امامي بين اكثر من مائة رهينة.
امر المستتشار برونو كرايسكي جميع رؤساء الوفود بتدوين رسالة خطية، لطلب تصريح بمغادرة المكان معنا بارادتهم الشخصية. فنفّذ جميع الوزراء الطلب باستثناء الموفدين الاماراتيين والقطريين الذين كانوا في حال ذعر. ولم يطاوعوا المستشار، الا بعد ان اتى الشيخ اليماني ووبخهم، بتشجيع مني. وبعد قراءة الرسائل اعطيناها لرياض الازاوي الذي سلمها الى المستشار. وسمحنا للموفدين بأن يبرقوا الى حكوماتهم وعائلاتهم من دون مراقبة، ووعدناهم بأن البرقيات سترسل على شكل رسائل مغلقة..
في المطار كانت تنتظرنا طائرة مع طاقم مؤلف من متطوعين نمساويين ذوي كفاءة. وكان كلاين على متن الطائرة وكمامة الاوكسجين على فمه..

حكاية الفدية
فكر كمال في طلب فدية، غير ان ابو هاني شرح لنا بهدوء ان علينا الامتناع عن الدخول في اي صفقة مالية خلال العملية، كي لا نعرضها للخطر، وتم الاتفاق على ان الدول المعنية ستدفع لاحقاً، وهذا بالفعل ما حصل، رفضت الخمسين الف دولار التي عرضها عليّ ولي العهد السعودي (الملك فهد حالياً) وخلتباري، وزير العلاقات الخارجية الايرانية، واضطر الاخير الى تلقي المخابرات الهاتفية مكان رئيس الوزراء امير عباس هويدا الذي استدعاه الشاه فوراً (كانوا يريدون انقاذ حياة وزيريهم)، وكذلك لم يصل الى خزينة المقاومة الفلسطينية المبلغ الذي قدمه الامير فهد، كما ان الشاه لم يدفع حصته البالغة خمسة وعشرين مليون دولار.
عندما علمت في فيينا ان الوزير اموزيغار كان على رأس الوفد الايراني، قررت قتله فوراً بمؤازرة ويلفريد وأنيس، وبعدما ساعدت كلاين والدكتور رويندوزي على النزول من الطائرة، استقبلني بوتفيلقة والكولونيل احمد درايا (مدير الأمن العام) والكولونيل محمد بن احمد عبدالغني (وزير الداخلية) الذين يحتلون على التوالي كلا من المركز الثاني والثالث والرابع في مجلس الثورة، اثر ذلك، اطلقنا افراد الوفود المحايدة وشاباً سعودياً شديد السمنة.
عمدنا إلى اطلاق سراح عدد من الموفدين في كل محطة جديدة، بعد ان بثينا عبر الراديو البيان الطويل الذي حرره كمال باللغة العربية باسم «ذراع الثورة العربية»، وهي التسمية التي اطلقها أبو هاني على جماعتنا الحالية وأوكل إلى أنيس الاهتمام بـ«المفاوضات» في المطارات العربية، وكان مقرراً ان يحل مكاني في حال حصول أي مكروه خلال السطو على مقر «أوبك».
واتخذ دور أنيس طابعاً جوهرياً في آخر مراحل العملية في القاهرة، وبعد اعدام أموزيغار واليماني، كنا سننتقل إلى بلد صديق (كانت أمامنا خيارات كثيرة)، حيث كان مقرراً اطلاق آخر الموفدين، لا سيما الايرانيين والسعوديين.

في ليبيا
عندما حطت طائرتنا في طرابلس الغرب، وصل الوزيران الليبي والجزائري، وكان الأخير قد رفض البقاء في الجزائر العاصمة مع باقي أفراد وفده، صعد رئيس الوزراء الليبي الرائد عبدالسلام جلود إلى الطائرة فور فتح الباب وكان بالكاد يقظاً، وتصرف وكأنه لم يكن على علم بشيء (في الواقع، لم يكن يعلم شيئاً حتى انه كان يجهل هويتي) توجهت إليه بالتأنيب بعدما انتهى من القاء التحية على الوزراء وارسلته مع أنيس لتوضيح الأمور خارج الطائرة التقى أنيس اللواء أبو بكر يونس جابر في المطار وتأخر في العودة (كان العقيد القذافي قد اختفى في الصحراء الليبية حينها) نزلت إلى المطار ولاحظت ان الليبيين غير متعاونين، وعاد أنيس لرؤيتي وفي حوزته معلومات، وقال لي قبل دخوله الطائرة ان الأمور ليست جيدة فجأة، بدأوا بتوبيخنا عبر الراديو من برج المراقبة، طالبين منا مغادرة البلد، وبما انه لم يكن لدينا البرنامج المعلوماتي الذي يخولنا التوقف في طبرق لبلوغ بغداد بسرعة، اضطررنا الى العودة ادراجنا وقررنا انتظار طائرة «بيونغ 707» السعودية في مطار قرطاج في تونس، حيث رفض المسؤولون السماح لنا بالهبوط ليلا فقطعوا الكهرباء عن المنطقة باكملها، ما اجبرنا على العودة الى الجزائر العاصمة.

النهاية
وبعد مرور ثلاثة ايام وثلاث ليال من دون نوم، كنا مرهقين من التعب، وفشلت مخططاتنا الاولية عندما رفض الجزائريون منحنا اللجوء السياسي، اذا اعدمنا المتهمين الاثنين على اراضيهم، كذلك عجز القبطانان النمسويان المرهقان عن الاقلاع، كنا جميعنا نلتقط آخر انفاسنا وكانت الكارثة تقترب، كانت تلك النهاية.
تركنا زوارنا على متن الطائرة، وابرزنا سلاحنا الى وزير الخارجية وسلمناه اياها، لكن الاخير اعاد الي مسدسي بسرعة ووضعه في حزامي.
قدمنا نتائج سياسية ومالية للمقاومة باجمعها وكبحنا جماح غطرسة الطغاة طوال خمس سنوات، «خير الامور احمدها مغبة!»
سان مور، 31 يوليو 2003.

حكاية القرار بإعدام اليماني وأموزيغار
يقول كارلوس في حوار مع الزميل غسان شربل ان وديع حداد وبخه لانه لم يقتل وزير النفط السعودي احمد زكي اليماني كما امر. ويوضح: كان ابو هاني (وديع حداد) امرني فقط ان اقتل وزير النفط السعودي، اما القرار باعدام الوزير الايراني والمفاوض الرئيسي لاوبك جمشيد اموزيغار فقد اتخذته وحدي في فيينا، وايد قراري ويلفريد بوز وانيس النقاش (مساعد كارلوس في التنفيذ) بحماسة. ويضيف: اعدام الشيخ يماني كان قرارا صادرا عن جهات ثلاث (دولة عربية وتنظيمان عضوان في منظمة التحرير)، وذلك لاربع حجج مختلفة، تعكس وجهات نظر متناقضة في بعض الجوانب، من بينها: ــ دوره في تقديم ياسر عرفات الى المغفور له الملك فيصل، مما اوقع منظمة التحرير تحت ثقل جارف اكتسبته منظمة فتح بما حصلت عليه من اموال خليجية ومما جعلها قوة مناهضة للناصرية. ــ دوره بعد اغتيال الملك فيصل في تغيير السياسة البترولية القومية التي سطرها المغفور له.

أين ذهبت الــ 50 مليون دولار؟
يقول كارلوس: «خلافا لما روّج لم تكن هناك اي فدية خلال العملية (عملية اوبك) على الرغم من ان كمال خير بك فكر في ذلك في البداية، لكن ابو هاني (وديع حداد) شرح لنا ان دول اوبك كلها ستدفع، لكن بعد انتهاء العملية، وكان ذلك احد الانعكاسات او النتائج المرتقبة للعملية، وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد، ولهذا السبب رفضت الخمسين مليون دولار التي تم اقتراحها عليَّ، اثناء العملية. ولسبب اجهله تم دفع الخمسين مليون دولار باسم البلدين (السعودية وايران)، رغم رفضنا. وهذه الاموال لم تصل قط الى المقاومة الفلسطينية، ولذا رفض شاه ايران ان يعيد تسديد قسط بلاده من هذه «الفدية» اي 25 مليون دولار، للطرف السعودي.

الحلقة المقبلة: رواية أنيس النقاش

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy