• ×

07:29 صباحًا , الثلاثاء 18 فبراير 2020

قائمة

أسرار الصندوق الأسود (2)

 0  0  3.3K
 تأليف: غسان شربل
عام 1975 كان عام بداية الحروب الاهلية والمتنقلة في لبنان، وكانت الفصائل الفلسطينية في قلب المعركة والسلطة القائمة على جزء غير يسير من الاراضي اللبنانية، قبل ان يخرجها الاجتياح الاسرائيلي عام 1982.
ثمة روايات متناقضة عن موقف وديع حداد من الحرب اللبنانية، مساعدون له يقولون انه دعا الى ان تنأى الفصائل الفلسطينية بنفسها عنها، وآخرون بينهم انيس النقاش يوصون بالعكس، وفي كلام انيس عن عملية احتجاز وزراء نفط «اوبك» في فيينا اواخر عام 1975 اي بعد اشهر من انطلاق الحرب اللبنانية، تأكيد على ذلك.
لكن ما يعنينا في رواية انيس النقاش عن العملية ابراز الاختلاف بينه وبين ما رواه كارلوس، ومايقوله احد مساعدي وديع حداد.
فربط العملية بالحرب اللبنانية، كما يقول النقاش، يناقض روايتي كارلوس ومساعدي الحداد عن ان الاخير رفض التورط في صراعات اللبنانيين الداخلية، وقول النقاش انه اقنع كارلوس بعدم اعدام وزيري النفط السعودي والايراني يناقض قول كارلوس انه طرح فكرة قتل الوزيرين (الأوامر كانت تقضي باعدام الوزير السعودي احمد زكي اليماني فقط) على النقاش ومساعدهما الالماني فأيداه بحماسة.. وفوق كل ذلك يقدم النقاش نفسه على انه البطل الاول «في عملية فيينا»، علما بانه لم يكن منتميا الى الجبهة الشعبية، بل الى حركة فتح، وعلاقته المباشرة كانت بابو جهاد. الا ان اهمية شخصية انيس النقاش تكمن في انه نام طويلا على سر دوره (سواء كان الاول او الثاني) في تنفيذ عملية فيينا، وقد فشلت اجهزة الاستخبارات في فضحه، ولم ينتبه المحققون اليه على رغم اقامة الرجل سجينا بين ايديهم على مدار عقد كامل، مداناً في محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شهبور بختيار.
هنا حلقة ثانية عن عملية فيينا نعرضها كما جاءت في كتاب الزميل غسان شربل «اسرار الصندوق الاسود» مع بعض التصرف:

بدأت رحلة النقاش الفعلية حين تعرف الى خليل الوزير (ابو جهاد) عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وحين اختار ان يعمل في امن الثورة من خارج المؤسسات الامنية المعروفة. حدثان كبيران ميزا مسيرته: الاول عندما عمل مع مجموعة وديع حداد وشارك في عملية فيينا، والثاني حين ذهبت به العلاقة بالثورة الايرانية الى حد رئاسة الفريق الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء الايراني السابق شهبور بختيار في باريس في 1980.
في 1980 اهتزت فرنسا، وتناقلت وكالات الانباء اسم هذا الشاب اللبناني الذي انضم باكراً الى الثورة الفلسطينية، وها هو يحاول اغتيال شهبور بختيار رئيس الوزراء الايراني السابق. نجا بختيار، لكن فرنسيين قتلا في الحادث، احدهما شرطي، واصيب نقاش وحكم عليه بالسجن المؤبد، ومنذ لحظة اعتقاله سيتحول ملف النقاش هاجسا لدى المسؤولين الفرنسيين لانه تداخل مع مجريات الحرب العراقية الايرانية وازمة الرهائن الفرنسيين في لبنان، وضاعف من تسميم العلاقات بين باريس وطهران التي كانت تشترط اطلاقه.
لكن القضاة الفرنسيين سيكتشفون بعد قراءة هذه السطور ان النقاش ارتكب ما هو اهم واخطر من محاولة اغتيال بختيار، ولم يدر في خلدهم السؤال عن السر او الاقتراب منه او محاولة الوصول اليه.

شريك كارلوس
ها هو انيس النقاش يعترف بانه كان شريك كارلوس في عملية احتجاز وزراء النفط في «اوبك» في فيينا في 21 ديسمبر 1975، وانه شارك في التخطيط والتنفيذ. ويكشف النقاش انه اقنع كارلوس بعدم تنفيذ اوامر وديع حداد باعدام الوزيرين الايراني والسعودي، الذي كان مقرراً ان يحصل في بغداد او عدن، بعد تحقيق الهدف الاول من العملية، وهو الحصول على فدية قيمتها عشرة ملايين دولار. ويروي ان خلافا وقع بين حداد وكارلوس بعد العملية بسبب امتناع الثاني عن اعدام الوزيرين وتقديم نفسه علانية خلال تنفيذها خلافاً لأوامر الأول.
ستة شاركوا في عملية فيينا: كارلوس والنقاش ولبناني اسمه الحركي «جوزف» وفلسطيني اسمه الحركي «يوسف» والألماني هانز يواكيم كلاين والألمانية غابريل توجمان واسمها الحركي «ندى».
قصة مثيرة ومعقدة. انتمى النقاش باكراً إلى التنظيم الطالبي لحركة «فتح» وعمل مع عضو اللجنة المركزية فيها خليل الوزير (أبوجهاد) واختار خدمة الأمن السياسي للثورة من خارج أجهزتها الأمنية. دخل عالم الأسرار وأقام فيه بأسماء مستعارة إلى أن سقط في أيدي الشرطة الفرنسية.

أدوار
يروي النقاش انه شارك في استقطاب أوروبيين للقيام بعمليات استطلاع داخل إسرائيل. وانه في النصف الأول من السبعينات قرر اختراق مجموعة وديع حداد التابعة أصلاً لـ «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» لمعرفة المجموعة والحيلولة دون أن تمس عملياتها أمن الثورة. ويقول انه كلف لاحقا بالمشاركة في الإشراف على تدريب الإيرانيين المعارضين لنظام الشاه، وكان أول من طرح فكرة إنشاء «الحرس الثوري».
يقول النقاش الذي واكب ولادة «الحرس الثوري» وربطته علاقات بمسؤوليه، انه شارك في نقاشات هناك انتهت إلى أن بختيار رجل خطير وانه الرمز الذي تحاول الولايات المتحدة استخدامه لانقلاب عسكري يطيح بالثورة الإيرانية التي شكل قيامها كسباً كبيراً للثورة الفلسطينية. ويضيف ان «محكمة إيرانية قضت بإعدام بختيار وان الإمام الخميني أقر الحكم. فتطوعت للتخطيط ثم قُدت عملية التنفيذ».
ويكشف النقاش انه حصل عبر وكالة الصحافة الفرنسية على رقم مقربين من بختيار، وانه زار منزله مدعياً انه صحافي عربي، وأجرى بهذه الصفة حديثاً كاملاً تمكن خلاله من استطلاع المكان والحراسات ونقل النتائج إلى طهران، فصدر قرار التنفيذ. لم ينشر الحديث وعاد النقاش لإجراء حديث آخر تتم خلاله عملية الاغتيال، لكن إجراءات الأمن فرضت تغييراً في الخطة التي تحولت إلى عملية اقتحام. وينفي أن تكون المجموعة أخطأت في الشقة، مؤكداً ان المرأة التي قتلت أصيبت بالصدفة وان الباب المصفح هو الذي أنقذ بختيار خلال الاشتباك الدامي. ويحكي عن وعود الاشتراكيين والديغوليين بإطلاقه وكيف أعطي هاتفاً دولياً للمساهمة في إطلاق الرهائن الفرنسيين في لبنان. ويشير إلى أسماء المسؤولين الإيرانيين الذين كانوا على علم بقصة بختيار. وفي 28 يوليو 1990 أصدر الرئيس فرنسوا ميتران عفواً عن النقاش فعاد مع أفراد المجموعة إلى طهران.
ويكشف النقاش أيضاً كيف خططت مجموعة وديع حداد لاغتيال السفير الأميركي في بيروت غودلي والمبعوث الأميركي دين براون والملحق العسكري الفرنسي والدور الذي قام به «أبو جهاد» و«أبو حسن سلامة» في إفشال هذه الخطوة بعد اطلاعهم عليها قبل تنفيذها، وفي هذا تناقض آخر مع ما يقوله مساعدو حداد عن ابتعاد الأخير عن تنفيذ عمليات داخل لبنان.

الهدف التمويل
يقول النقاش: عملية فيينا سبقتها مجموعة عمليات خُطط لها، وكان الهدف منها التمويل. مع بوادر الحرب الأهلية في لبنان كانت مجموعة وديع حداد في حاجة إلى تمويل. وكانت تعتقد ان أكثر من طرف فلسطيني، من بينهم «الجبهة الشعبية»، سيفيد منه. وأول برنامج أو هدف لعملية التمويل، بعدما وضعت احتمالات عدة، كان التفكير في خطف مهدي التاجر، الثري الإماراتي الذي كان سفيراً لبلاده في لندن. وفي شتاء 1974 1975، بدأ التحرك للإعداد لهذه العملية. وكلفت مجموعة تضم بعض الشباب اللبنانيين وامرأة ورجلاً ألمانيين بالإعداد الأولي، كان المطلوب تحضير المجموعة وإعداد الوثائق اللازمة لها مثل الجوازات. والجوازات التي كان من الممكن الافادة منها كانت بوليفية. اجتمعت المجموعة في باريس للتحضير لمراقبة الاماكن المطلوبة في بريطانيا وتحديدها.
وبسبب خطأ فني حصل في الجوازات، وعدم تمكن كل افراد المجموعة من الدخول الى لندن، تقرر تأجيل العملية. وفي هذه الفترة تفاقمت الازمة في لبنان، واخرت الحرب الاهلية هذه المسألة قليلا، الى ان اعيد طرح ضرورة التمويل مرة اخرى.
ويؤكد ان وديع حداد كان من اتخذ قرار خطف التاجر وان كارلوس كان موجودا ضمن المجموعة التي ستنفذها.

بطل العملية
كان انيس النقاش اسمه «خالد» حين شارك، الى جانب كارلوس، في عملية احتجاز وزراء نفط «اوبك» في فيينا. وكان اسمه «مازن» خلال عمله الطويل في حركة «فتح». هذا اذا تناسينا اسماء اخرى على جوازات سفر مزورة. اليوم لم يعد انيس النقاش يحتاج الى الاسماء المستعارة. انها مرحلة كاملة انتهت وهو ما سهل البوح باسرارها. ويقدم النقاش او «خالد» نفسه بطلا اول لعملية «اوبك» حيث يقول كلفت اولا بعمليات الاستطلاع الاولى. وذهبت مرة اولى الى فيينا بجواز لبناني عادي. جنيف اولا ثم بالقطار الى فيينا، حيث مكثت هناك نحو 10 ايام لاتقصى الاجواء والاماكن: مركز «اوبك» والشوارع والشقق. اي عملية استطلاع كاملة. وكان يرافقني شاب آخر عديم التجربة، وكان هذا مشواره الاول الى اوروبا في عملية استطلاع، وبغرض تدريبه. ولم يكن له اي دور لاحقا.
ويقول انه دخل الى مركز «اوبك» خلال عملية الاستطلاع، موضحا حجته في ذلك بان في مبنى «اوبك» كانت توجد السفارة الكندية وشركة نفط. «صعدت الى طابق «اوبك» بحجة انني ظننته طابق السفارة. ودخلت المركز ولم تتسن لي رؤيته بالكامل. لكنني القيت نظرة على المدخل والسلم والمصعد، والى ما هنالك من تفاصيل وامور. ثم اعتذرت عن «الخطأ» في الطابق وخرجت. رجعت الى بيروت، وكان كارلوس موجودا وتداولنا المعلومات. ثم قررنا الانطلاق للتنفيذ. هنا خرجت بجواز لبناني عن طريق زيورخ. وفيها بدلت الجواز الى جواز قبرصي كي ادخل الى فيينا. واكتملت المجموعة في فيينا».
وعندما يسأل من أين اتى كارلوس؟ يجيب موحيا بدور الاخير الثانوي:
ــ لا اعرف تماما. لكنني اعرف انه كان في لبنان. والاحتمال ان يأتي اما من طريق سويسرا واما ايطاليا. ولم يكن مطلوبا مني ان اعرف اي وجهة ستسلك العناصر الى فيينا.
ويضيف: كارلوس كان يقيم في شقة وانا في فندق. حين اكتملت المجموعة، كثفنا عمليات الاستطلاع، انطلاقا من اماكن اقامتنا، ولكي يكون كل افراد المجموعة على علم بالتفاصيل.
واستنادا الى زيارتي مقر «اوبك»، وكان كارلوس قد ذهب الى هناك بالطريقة نفسها، اي بحجة انه اخطأ بين المقر والسفارة، وبناء على دراستي هندسة الديكور استطعت ان اضع مخططا للمبنى وان اقدر اين تقع قاعة الاجتماعات، ثم حددنا يوم العملية، وقبل التنفيذ بــ 48 ساعة، وصل المانيان (شاب وفتاة) من خارج المجموعة ومعهما الاسلحة، واقتصرت مهمتهما على جلب الاسلحة فقط، وكانا ينتميان الى «الالوية الحمراء» الالمانية، سلمانا الاسلحة فقط، ثم قررنا عقد اجتماع في اخر ليلة قبل العملية، وبتنا في الشقة نفسها، شقة كارلوس، حيث تلقى كل فرد منا التعليمات اللازمة، وفي الصباح الباكر غادر الالمانيان اللذان اتيا بالاسلحة، اما نحن فبقينا الى ان حان وقت العملية.
ركبنا قطاراً (ترامواي) عبر خط يوصلنا الى محطة تبعد نحو 15 مترا عن مقر اوبك، ووضعنا الاسلحة في حقائب رياضية، ولم يكن الجميع في حاجة الى حقائب، فانا كنت احمل مسدسين، ومن كان يحمل رشاشا احتاج الى حقيبة وتحديدا كارلوس وجوزف.

التنفيذ
خرجنا من المحطة وكان البرد قارسا، وشاهدنا عنصرين من الشرطة هناك وكنا نرتدي المعاطف، كان كل شيء مموها في شكل جيد، ولم يلاحظ الشرطيان شيئا، حتى اننا، وبكل بساطة، سألناهما عن مكان المؤتمر، فظنا، من الحقائب التي معنا، اننا صحافيون، فدلانا الى المكان، طبعا كنا نعرف الطابق الذي يقع فيه مقر اوبك، الا انها بادرنا الشرطيين بالسؤال اولا قطعا للطريق على اي اشتباه او التباس، واكملنا اسئلتنا عن موعد المؤتمر ومكان القاعة، اي مجرد اسئلة روتينية اعتيادية، دلنا الشرطيان الى الطابق الاول، صعدنا الى المقر وبدأ الاقتحام، وبحسب الخطة، انقسمنا مجموعتين: الاولى تسيطر على المدخل الاساسي مع السنترال والسكرتيرة، والاخرى تكمل الاقتحام، وهذه الاخيرة انقسمت قسمين كل واحد يتولى تفتيش جهة من الممر، توليت انا تفتيش الجهة اليمنى وسلاحي في يدي، وفتحت اربع غرف او خمسا فيها موظفون، كانت قاعة الاجتماعات اخر غرفة، عندها ناديت بقية العناصر، ولم نكن قد ارتدينا الاقنعة بعد، الا انني كنت اعتمر قبعة من الفرو وقبة الكنزة عالية فلم يلحظ احد ملامحي، خصوصا انني كنت اتحرك في سرعة، ولما دخلنا القاعة وضعنا الاقنعة كي لا يتأملوا طويلا في وجوهنا.

رصاصتان في السقف
الجميع كانوا في الاجتماع، وفور دخولي اطلقت رصاصتين نحو السقف، فانبطحوا ارضا، وكانت المجموعة الثالثة قد ساقت الموظفين الى القاعة، وكانت هناك مجموعة حراس شخصيين في قاعة الانتظار، وقتل منهم اثنان عراقي وليبي، بقية الوزراء لم يكن لديهم حراس، وقد حاول الحارسان المذكوران استهداف الفتاة المشاركة معنا ظنا منهما انها الاضعف لكنها عاجلتهما بالرصاص واردتهما.
تم تجميع كل الموظفين في القاعة، وحصل اشتباك بسيط مع الشرطيين اللذين كانا على مدخل المبنى، عندما صعدا لمعرفة ما الذي يحصل ثم اتت مجموعة من قوات خاصة وحصل اشتباك، جرح خلاله رفيقنا الالماني، الا اننا بقينا مسيطرين على الوضع بحسب الخطة، كان من المفترض، ان نقسم الوزراء والموظفين مجموعات، مجموعة الاعداء مؤلفة من ايران والسعودية، ومجموعة الحياديين تضم الكويت والنيجر واندونيسيا ومن ليس له علاقة.. ومجموعة الدول شبه الحليفة للقضية الفلسطينية تضم العراق والجزائر وليبيا، اي دول «جبهة الصمود».


عشاء احتفالي
يروي النقاش انه في صباح اليوم التالي للعملية «حصلت طرفة من السفير العراقي، وكان قد وجد نفسه مرتاحا، كأنه يشاهد فيلما سينمائيا لا يعنيه، فقال إننا فوتنا عليه حفلة الختام في فندق «هيلتون» على شرف الوزراء. فاستجبنا طلبه جديا وطلبنا من الحكومة النمساوية ان تحضر المآكل، التي كانت ستقدم في حفلة الهيلتون، إلى الرهائن. وبالفعل جاؤوا بالصحون. وأصبحنا على استعداد للانتقال إلى الطائرة».

صفقة أكبر
من الجزائر توجهت الطائرة الى ليبيا وعلى متنها 11 وزيرا.. يقول النقاش: نزلنا في مطار ليبيا وكان الوزير الجزائري لا يزال معنا في الطائرة على رغم اننا طلبنا منه البقاء في الجزائر، لكنه أصرّ على مرافقتنا. ولما وصلنا إلى ليبيا، سمح له كارلوس بأن ينزل ويتفاوض مع الليبيين. وهنا تأكدت من وجود صفقة اكبر وإلا فما معنى هذه المناورات؟

تفجير خطوط النفط
في شهر يونيو من عام 1969، هاجمت مجموعة تابعة لوديع حداد خطوط نقل النفط السعودي الى مصفاة الزهراني (جنوب لبنان) المعروفة باسم خطوط التابلاين، ويبرر مساعد حداد العملية بالقول ان غرضها الاساسي هو ان هذا النفط العربي الذي يمر في ارض محتلة وبحماية اسرائيلية ويصب في مرفأ الزهراني وتنقله ناقلات غربية الى البلدان الغربية يجب ان يكون مشمولا بالمعركة. حصلت عملية تفجير. المتضررون اتخذوا موقفا عنيفا، وبعض الفصائل الفلسطينية اعترض على العملية.

وديع حداد يحاكم كارلوس
بعد نحو أسبوعين من العملية غادر كارلوس الجزائر الى مقديشو وتوجه منها الى عدن حيث عُقد اجتماع ثلاثي سيكرس الطلاق بين القائد الفلسطيني وديع حداد والشاب الفنزويلي كارلوس، الذي كبر في ظله. ودامت الاجتماعات اكثر من 12 ساعة. في الجلسة الأولى طلب من كارلوس ان يروي ما فعل منذ انطلقت عملية التنفيذ.
وهكذا حكى عن الأيام الأخيرة والاستطلاع والاقتحام وما رافقه. وفي الجلسة الثانية تركز الحديث على الطريق التي انتهت بها العملية وتطرقت الى دور الجزائريين، خصوصا وزير الخارجية آنذاك عبدالعزيز بوتفليقة في الافراج عن الرهائن.
سُئل كارلوس، خلال الجلسات التي عقدت في مقر حداد في خورمكسر في عدن، لماذا لم ينفذ التعليمات القاضية بإعدام الوزيرين السعودي والايراني؟ فأجاب بانه رأى ان العملية نجحت وصدر بيان عن دور النفط العربي في المعركة وبالتالي فانه لم يشعر بضرورة اعدام الوزيرين وتلويث العملية، علما ان التعليمات كانت تقضي عكس ذلك، فرد بانه لم يكن امامه أي مجال للانكار لأن الحاضرين عرفوه في صورته ولكنته. وسُئل عما يتردد عن فدية، فقال انه لم يكن هناك أي بحث في فدية ولا علم له بما تردد بعد العملية.
لم تقنع ردود كارلوس الرجل الذي تعهده واطلقه فقال له غاضبا: «نحن في معركة ونخوض قتالا ولسنا فريق كشافة».
وفوجئ حداد بـ«سالم» (الاسم الحركي العربي لكارلوس) يقول: «تعاملونني كأنني عضو لديكم وانا تنظيم حليف لكم». استغرب حداد الكلام، فحتى تلك الساعة كان كارلوس عضوا في «المجال الخارجي». وفي اختتام الاجتماعات الثلاثية طلب حداد من كارلوس ان يذهب الى المعسكر ليرتاح ففعل.

تناقضات أخرى في رواية النقاش: لم تجر مفاوضات حقيقية
على نقيض رواية كارلوس عن سير المفاوضات مع وزراء اوبك، يؤكد النقاش انه لم تجر مفاوضات حقيقية، وان اتفاقا سريعا تم على ان تدفع كل من ايران والسعودية 5 ملايين دولار وقد دفعتا على حد تعبيره، في حين ان كارلوس يقول ان المبلغ كان 25 مليون ولم يصل منه شيء الى خزينة المقاومة الفلسطينية.
كذلك يؤكد النقاش معارضته لاعدام الوزيرين من اليماني واموزيغار فيما كان كارلوس قال ان النقاش كان متحمسا لذلك.
نترك النقاش يتحدث عن هذه النواحي:
عمليا لم تجر مفاوضات حقيقية مع النمساويين فكل المطلوب منهم ظاهريا اذاعة البيان، وقد استجابوا الطلب وسمعنا البيان من راديو صغير كان في حوزتنا، النقطة الثانية هي عملية الاخلاء، وكان من المفترض ان يوفر النمسويون لنا طائرة تقلنا، اما عن الخطة، فكانت هناك خطة علنية وخطة ضمنية، الاولى قضت بأن نتفاوض معهم لاعلان البيان وللخروج مع الرهائن سالمين من فيينا.
اما الخطة الضمنية فقضت بأن يكتب الرهائن رسائل الى سفاراتهم وحكوماتهم كما يحلو لهم، والهدف من ذلك ان نضع اليد على رسالتين تحديدا من اموزيغار واليماني، ثم املينا عليهما ما يجب ان تتضمنه رسالتاهما، اي يجب على كل من الحكومتين تحويل مبلغ قيمته 5 ملايين دولار، ما مجموعه 10 ملايين دولار، وهذا ما حصل، ومن الطريقة التي عومل بها اليماني واموزيغار ادرك الاثنان انهما الهدف وانهما سيعدمان اذا لم تنفذ المطالب (..) هنا لابد من العودة الى امر حصل خلال التحضير، وهو امر مهم جدا، اي حين كنت وكارلوس وحدنا في فيينا، اذ بعدما ذهب واستطلع بنفسه مقر الاوبك، جلسنا في مقهى خلف المبنى، وطلب مني كارلوس ان ادلي برأيي في العملية فبادرته بأن لدي استفهاما عن عملية الاعدام (اعدام الوزيرين الايراني والسعودي)، لانني رجل مسيّس وادرك ابعاد تنفيذ قرار خطير من هذا النوع. بحسب الخطة، كان علينا ان نتوجه بالطائرة بعد الحصول على الاموال الى العراق او عدن لاعدام الوزيرين، وانا لا استطيع ان اتصور ما الذي سيحصل بعد الاعدام، اكان في بغداد ام في عدن، ففي بغداد سيكون نسف لكل اتفاقات ايران مع العراق ووقف الحركة الكردية والتدخلات بين البلدين بحسب اتفاق الجزائر، اما اذا تم الاعدام في عدن البلد الصغير المتهم اساسا فإنه سيتعرض بالتأكيد لضغوط من الدول المعنية، وربما لاكثر من ضغوط وانا لا اعتقد بأننا نكون بذلك اسدينا خدمة حسنة لرفاقنا في عدن.
كانت لوديع قاعدة في عدن وعملية من هذا النوع، (اي الاعدام) ستخرج هذا البلد بالتأكيد وتوجه اليه الاتهامات وتليها المقاطعات. فوجئت بان كارلوس تجاوب معي في سرعة ولم يتأخر ليؤيد وجهة نظري في ان هذا الهدف (اي الاعدام) ليس طبيعيا وسليما (..) المعضلة تكمن في انني لا استطيع الطلب منه مخالفة الاوامر وعدم اغتيال الوزيرين، ولا هو يستطيع ان يلقي علي مسؤولية الكشف عن نفسه في المفاوضات.


الحلقة المقبلة: خـطــف الطـائــرات

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy