• ×

07:33 صباحًا , الثلاثاء 18 فبراير 2020

قائمة

أسرار الصندوق الأسود (4) والاخير

 0  0  4.1K
 تأليف: غسان شربل
بعد العمليات الأولى لـ«المجال الخارجي» في الجبهة الشعبية، الذي كان يقوده وديع حداد، توافدت مجموعات ثورية من بلدان مختلفة الى الشرق الاوسط تطرق باب حداد، وبعد المرور بالتنظيم الطالبي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والإعلام فيها، كان حداد يستقبل من يتوسم الجدية في عملهم.
تبدأ العلاقة ببلورة الأرضية السياسية وحين تتأكد صلابتها يبدأ التعاون وفق برنامج محدد. تبادل معلومات وتوفير وثائق وأسلحة وتسهيلات وتدريبات وأحيانا مشاركة مباشرة في العمليات.
تحوّل حداد رمزا وملاذا. وتحوّل «المجال الخارجي» معهدا للثوار تخرج فيه من هزوا العالم بعنف: «سالم» الفنزويلي الذي لم يكن غير كارلوس، و«مريم» اليابانية التي لم تكن غير نوريكو شيغينوبو زعيمة «الجيش الأحمر»، و«مجاهد» الأرمني الذي لم يكن غير آغوب أغوبيان زعيم «الجيش السري الأرمني لتحرير أرمينيا».
«سالم» يقيم اليوم في سجنه الفرنسي. «مريم» سجينة في بلادها و«مجاهد» جندله الرصاص. سقطوا بعد رحيله. ربما بسبب غياب المظلة وربما ايضا لأنهم وقعوا في ما كان يحميهم منه: نسج علاقات مع دول واجهزة فضلا عن الوقوع في النجومية.
وجاءت عملية مطار اللد التي كانت ضربة موجعة وجهها «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية» الى اسرائيل عبر «الرفاق» اليابانيين. لم تنجح الأجهزة الاسرائيلية في كشف قصة المجموعة اليابانية التي تدربت في «معسكر بعلبك» في البقاع اللبناني وفي موقع قريب من صيدا في جنوب لبنان. ولم تعرف ان الشاب الياباني الذي غرق مصادفة في بحر بيروت كان احد الذين اختارهم حداد لتنفيذ عملية مطار اللد في 30 مايو 1972. وكانت عملية اللد واحدة من سلسلة عمليات استهدفت اسرائيل برا وجوا وبحرا.
تلك العمليات نفذها رجال ونساء من مختلف الجنسيات.. يابانيون من «الجيش الأحمر» الياباني، ألمان من «بادرماينهوف» وسواها، فرنسيون كانوا يعملون تحت رايات اليسار الثوري المتطرف، أرمن.. أكراد وطبعا فلسطينيون وعرب آخرون، كلهم تجمعوا تحت جناح وديع حداد (أبو هاني) وقد جاؤوا إلى «المجال الخارجي» في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي كان تحت قيادته، من أبواب عدة.
هنا بعض من هذه العمليات كما وردت في كتاب غسان شربل «أسرار الصندوق الأسود»:

مهاجمة إسرائيل.. براً وجواً وبحراً
عملية مطار اللد تهز تل أبيب فترد الضربة بأقسى منها في عنتيبي

ينقل غسان شربل عن احد مساعدي وديع حداد روايته عن عملية مطار اللد، وفيها:
اقام «المجال الخارجي» علاقات وثيقة مع تنظيمات ومجموعات كانت تعتقد ان المعركة واحدة على مستوى العالم كله وان كانت لكل بلد اوضاعه وخصوصياته، من تلك العلاقات كانت العلاقة مع الاخوة اليابانيين في 1972 كانت هناك مجموعة من «الجيش الاحمر الياباني» موجودة في بيروت وتخضع لعملية تدريب وكنا نتولى نقل عناصرها من شقة الى اخرى للمحافظة على سرية العمل.
كان لدى افراد المجموعة اليابانية ولع بالنقاش خصوصاً حول المائدة.
وقع في تلك الفترة حادث غير متوقع، كنا نتناول الغداء مع وديع في الجبل، ولدى وصولنا الى محلة الروشة في بيروت شاهدنا ازدحاماً غير عادي، سألنا عن السبب فقالوا ان شابا غرق امام صخرة الروشة مباشرة، لم يقل احد من هو الغريق، سألني الدكتور وديع: من هو الغريق؟ لم نعرف، تابعنا طريقنا ووصلنا الى مقرنا.
وبعد نصف ساعة تلقينا النبأ وهو ان احد الاخوة اليابانيين، كان مفروزا للمشاركة في عملية اللد، غرق في محلة الروشة، كان للخبر وقع قوي، فالعملية محاطة بقدر كبير من الكتمان والسرية، من الطبيعي ان يثير غرق شاب ياباني اسئلة حول هويته وماذا يفعل، كان لا بد من احتواء المسألة وقرر وديع التعجيل في ترتيبات تنفيذ العملية، طبعاً شعر المشاركون في العملية بالألم لفقدان رفيق كان مقرراً ان يشاركهم، لكنهم تجاوزوا الحادث وعقدوا سلسلة لقاءات مع وديع وتم التزام البرنامج وتعيين بديل للشاب الذي غرق خلال قيام عدد من افراد المجموعة بالاستحمام قبالة الروشة.
خطة العمل
شرح وديع لافراد المجموعة الخطة كاملة: الصعود الى الطائرة والاسلحة التي ستكون بحوزتهم ومن بينها قنابل صنّعها «المجال الخارجي» ولم تكن اجهزة المطارات قادرة على اكتشافها، بعد انتهاء قصة الياباني الغريق واستكمال الاستعدادات اعطيت تعليمات التنفيذ والتي كانت تتضمن الانطلاق الى محطة اخرى ومنها الى مطار اللد، كان المنفذون ثلاثة في حوزة كل واحد منهم رشاش من طراز «كلاشينكوف» مع الذخائر والقنابل، وصلوا الى مطار اللد وحين جاء دورهم للتفتيش فتح كل واحد منهم حقيبته وبدأ باطلاق النار.
هزت عملية اللد الكيان الصهيوني، كانت الضربةالتي وجهت اليه مؤلمة ومكلفة، دخل المنفذون المطار باسلحتهم، يابانيون ينفذون هجوماً جريئاً و«الجبهة الشعبية» تعلن مسؤوليتها، في الجانب المالي وحده انفقت مبالغ مالية هائلة لتحسين اجراءات الامن في مطارات اسرائيل ومطارات الدولة الغربية ايضا، راحوا يستبدلون اجهزة الرقابة باخرى اكثر تطوراً.
في أواخر عام 1975 سيسدد حداد ضربة مدوية عبر احتجاز وزراء نفط «أوبك» في فيينا. كان حداد غادر بيروت في 1976. لم يكن مؤيداً تحول المنظمات الفلسطينية إلى مجموعة جيوش علنية منتشرة في لبنان ومحصورة فيه. وها هي المقاومة تغرق في الحروب اللبنانية وتدخل في مواجهة مع سوريا.
عملية عنتيبي
في تلك السنة كاد حداد مجتمعاً مع الرئيس الصومالي محمد سياد بري في مقديشو، وكانت العلاقة «شهر عسل» سمح للقائد الفلسطيني بأن يكاشف بري ربغته في خطف طائرة لإرغام إسرائيل على الإفراج عن عدد من الأسرى. الواقع ان حداد كان يبحث عن مطار يستقبل الطائرة المخطوفة. اقترح الرئيس الصومالي على حداد الاتصال بالرئيس الأوغندي عيدي أمين الذي تردت علاقاته مع إسرائيل وأوروبا. وهكذا كان. وللمرة الأولى سيتضح في هذه الحلقة لماذا اختيرت عنتيبي. وافق عيدي أمين. وفي 26-6-1976 خطف «المجال الخارجي»، بمشاركة عضوين ألمانيين في «الخلايا الثورية»، طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية بعد توقفها في أثينا في طريقها من تل أبيب إلى باريس وعلى متنها 77 إسرائيلياً.
رافق حداد مجريات العملية من مكان قريب من المطار ومن مقر إقامة عيدي أمين وكان على اتصال دائم معه. رعونة الرئيس الأوغندي أدت إلى إطالة أمد المفاوضات، وكذلك مغادرته إلى قمة منظمة الوحدة الافريقية. لم يأخذ عيدي أمين باقتراح حداد توزيع الرهائن في مجموعات في الغابات، وراح يطمئن حداد إلى سلامة الإجراءات التي اتخذها الجيش الأوغندي.
في ذلك الوقت كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين يوالي اجتماعاته مع وزير الدفاع شمعون بيريز ويقلب الخيارات ومخاطرها قبل أن يطلب من الجيش الإعداد لعملية تدخل في نقطة تبعد أربعة آلاف كيلومتر عن إسرائيل. وفي 4 يوليو هبطت الطائرة الإسرائيلية في مطار عنتيبي ونزلت منها سيارة شبيهة بسيارة الرئيس الأوغندي وجنود بثياب الجيش الأوغندي أيضاً. فور اقتراب الطائرة الإسرائيلية حاول حداد عبثاً الاتصال بعيدي أمين، لكن الإسرائيليين كانوا قد نجحوا في تعطيل كل الاتصالات. ويروي رفاق وديع انه كان في المطار قبل ساعتين من وصول الإسرائيليين وانه طلب من الأوغنديين وضع عوائق على المدرج لعرقلة هبوط الطائرات لكنهم لم يفعلوا. كما تمنى وديع ألا يشارك الألمانيان في عملية الحراسة تفادياً لاضطرارهما إلى الاشتباك مع الإسرائيليين وما يمكن أن يعنيه ذلك نظراً إلى الحساسيات القديمة بين الألمان واليهود.
الكارثة
تحولت عملية عنتيبي إلى كارثة. خلال أقل من ساعة قتلت القوة الإسرائيلية كل المشاركين في خطف الطائرة واحتجاز الرهائن. أدى الاشتباك العنيف أيضاً إلى مقتل ثلاث رهائن وضابط إسرائيلي هو جوناثان نتانياهو شقيق رئيس الوزراء المقبل بنيامين نتانياهو الذي يقول عارفوه انه لم ينس لحظة واحدة مشهد جثة أخيه العائدة من عنتيبي.
لماذا عنتيبي؟
لكن لماذا اختيرت عنتيبي مكاناً لاستقبال الطائرة المخطوفة؟
يجيب أحد مساعدي وديع حداد: اتخذ القرار بعملية خطف طائرة بهدف الافراج عن عدد من المعتقلين. كانت هناك في تلك الفترة علاقة قوية بين وديع حداد والرئيس الصومالي محمد سياد بري. طرح وديع الفكرة على سياد بري الذي نصح بطرح الفكرة على الرئيس الأوغندي عيدي أمين، مشيراً إلى أن الأخير لديه مشاكل كثيرة مع الأوروبيين وقد يكون مستعداً لاستقبال الطائرة. كان وديع يعرف طبيعة عيدي أمين والعوامل التي يمكن أن تؤثر فيه. لذلك تم ارسال رجلين ضخمي جثة للقائه وطرحا معه الموضوع فأبدى استعداده. بعد العثور على مكان لاقتياد الطائرة إليه تسارعت الاستعدادات لتنفيذ العملية. كان وديع على ما أعتقد في الصومال وبعد وقوع عملية الخطف انتقل إلى عنتيبي للبقاء على اتصال مع عيدي أمين.
الشعور بالخطر
وضعت جملة من الترتيبات. نقل الركاب إلى عنبر في المطار وشارك المبعوثان إلى عيدي أمين في عملية الاحتجاز إلى جانب الخاطفين. طبعاً كان رأي وديع أن يتم توزيع الركاب في أكثر من مكان لتسهل السيطرة عليهم. ودرست الناحية الأمنية فحرص عيدي أمين على تأكيد ارتياحه إلى الإجراءات المتخذة. كانت العملية ناجحة تماماً لكن المفاوضات استمرت أكثر مما ينبغي. حين بدأ الوسطاء يقولون أعطونا المزيد من الوقت شعر وديع أن الإسرائيليين يرتبون شيئاً. اتصل بعيدي أمين وقال له إن الوضع بات خطيراً والمطلوب إما توزيع الركاب أو تشديد الحراسة. أبدى عيدي أمين ارتياحه إلى الاجراءات وتحدث عن فاعليتها. كان وديع على مقربة من المطار ومن مقر عيدي أمين وكان على اتصال معه.
.. وكان الهجوم
فجأة هبطت الطائرات الإسرائيلية على طرف المدرج ونزلت منها سيارات جيب عسكرية وسيارة مرسيدس شبيهة بسيارة عيدي أمين. سمع وديع صوت الطائرات فرفع سماعة الهاتف للاتصال بعيدي أمين فلم يتمكن. حاول مرات عدة فلم ينجح. إذ تمكن الإسرائيليون من تعطيل كل أنواع الاتصالات. في هذه الأثناء دوى إطلاق النار. دخلوا إلى العنبر بعدما قتلوا أحد شبابنا الذي خرج مستطلعاً وقتل آخر كان يرتاح ليتمكن من العمل لاحقاً. حين دخلوا هاجمتهم الفتاة الألمانية بالقنابل والشاب الألماني بالرشاش. الاثنان من «الخلايا الثورية» وقد قتلا. انتهت العملية بالسيطرة الإسرائيلية واستشهاد رفاقنا.

جيـــش أممــي
انضم الى العمل ضمن «المجال الخارجي» تحت قيادة وديع حداد او بالتنسيق معه كل من: الجيش الاحمر الياباني، و«مجاهدي خلق» من ايران وشخصيات ايرانية بينها عدد من الملالي، واكراد بينهم الرئيس العراقي الحالي جلال الطالباني وبادر ماينهوف والخلايا النورية و«الثاني من يونيو» من المانيا و«ايتا» من اسبانيا والساندينيون من نيكاراغوا، وكان بينهم شخص تولى وزارة الخارجية في بلاده لاحقا، والترباماروسا من اميركا اللاتينية، والجيش الارمني السري.

تفجير سينما جين
في 12ــ12ــ1974 فجر ايراني تابع لـ «المجال الخارجي» نفسه داخل سينما جين في اسرائيل وعن هذه العملية يقول احد مساعدي وديع حداد: ارسل «المجال الخارجي» شابا ايرانيا من طريق شرق اسيا بجواز بريطاني، كان الشاب قد تدرب على صنع المتفجرات من مواد محلية وتم تأمين الصواعق له، يدخل الى السينما حاملا قناني مرطبات تحوي قنابل او متفجرات مصنعة، واثناء عرض الفيلم يفتح القنابل ويرميها في السينما ثم يفجر نفسه بحزام ناسف، ونفذ العملية واستشهد موقعا عددا من الاصابات (26 بين قتيل وجريح).

فــي البحــر
بداية سنة 1971 استهدفت ناقلة كورال سي من قبل احدى مجموعات العمل التابعة لوديع حداد. فكيف تمت؟ يجيب احد مساعدي حداد قائلاً: انها ناقلة نفط اسرائيلية مسجلة في ليبيريا وكانت تنقل نفطا ايرانيا، هاجمناها قرب باب المندب في البحر الاحمر استلزم اعداد العملية شهوراً، اخذنا مجموعة من عشرة عناصر واقمنا في جزيرة بريم، كان يفترض ان نراقب البواخر التي تمر ولدينا جدول بمواعيد البواخر الايرانية المتجهة الى اسرائيل، وكانت المرة الاولى التي نستخدم فيها المناظير ما تحت الحمراء.
مضت ثلاثة اشهر اي من ابريل الى يوليو، في هذا الوقت تهب الرياح الموسمية ويحدث هياج في البحر، المركب الذي كان في حوزتنا كان قديما، كانت الاقامة في تلك الجزيرة اكثر من منهكة ارجأنا العملية الى بداية 1971.
كان رئيس الوزراء في اليمن الديموقراطي محمد علي هثيم، فطلبنا منه الحصول على مركب سريع، اجابنا ان ليس لديهم مثل هذا المركب، بعد فترة قال لنا ان ثمة مركبا موجودا في الميناء فاسرقوه. وهكذا حصلنا على مركبين، اطلقنا على الناقلة 11 قذيفة «ار.بي. جي» اشتعلت فيها النار وجنحت لكنها لم تغرق وقطروها لاحقاً.
حاورت كارلوس فرنَّ الهاتف وجاءني صوت مجهول قال: «انت تنشغل بكارلوس وتنسى من جعله نجما، كان مهما حين كان يستمع الى توجيهات معلمه وديع حداد الذي احاله الى التقاعد بعد عملية فيينا، القصة الفعلية موجودة لدى رفاق وديع، فلماذا لا تبحث عنها؟ لديهم خزنة اسرار تتعدى قصة كارلوس» سألته عن اسمه ورقم هاتفه فاكتفى بالقول انه مجرد قارئ، لم يتصل الرجل مرة اخرى لكن نصيحته كلفتني آلاف ساعات العمل وانا مدين له. لي في هذا العالم اصدقاء قساة، خطفوا طائرات، احتجزوا رهائن زرعوا عبوات، زوروا باسبورات وتحايلوا على المطارات اختاروا اسماء مستعارة وعاشوا في ظلها، تمردوا على الظلم وطاردوا «العدو في كل مكان» وعادوا من الرحلة، هذا اصيب في روحه وقهرته الايام، وذاك اصيب في جسده ويعيش مع الادوية والذكريات، وثالث دفن على بعد الاف الاميال من التراب الذي كان يناديه.
انهم رفاق الدكتور وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» التي ارتبط اسمها طويلا باسم قائدها الراحل الدكتور جورج حبش، طالبان فلسطينيان التقيا على مقاعد الجامعة الاميركية في بيروت، اغرقتهما النكبة في اسئلة عن حالة الامة ومستقبلها، اسئلة كانت تراود ايضا محسن ابراهيم وهاني الهندي واحمد الخطيب وغيرهم وسيلتقي كل هؤلاء في المؤتمر التأسيسي لـ «حركة القوميين العرب» في عمان في 1956 ومن رحم الفرع الفلسطيني للحركة ستولد «الجبهة الشعبية» في 1968.
قبل بن لادن
قبل عقود من طائرات اسامة بن لادن انهمكت مجموعة في قيادة «الجبهة الشعبية» في البحث عن وسيلة لهز ضمير العالم وتذكيره بالظلم اللاحق بالفلسطينيين، كان الغرض ايضا توسيع دائرة المعركة مع اسرائيل الى كل مكان، هكذا اقر مبدأ خطف الطائرات، وسيقع على عاتق وديع حداد مسؤول المجال العسكري الخارجي عبء التخطيط والتنفيذ واستقطاب «الرفاق» الاجانب المعادين للامبريالية الى حد الاستعداد لمقاتلتها على مسارح قريبة وبعيدة. في هذا السياق ستولد قصة «مريم» اليابانية و«مجاهد» الارمني و«سالم» الفنزويلي والذي لم يكن غير كارلوس الذي كان اشهر مطلوب في العالم قبل ان يسقط في يد الفرنسيين ويتنقل اللقب في بداية القرن الجاري الى اسامة بن لادن. لم يسمح لي القضاء الفرنسي بزيارة كارلوس في سجنه.
الزيارات ممنوعة، حاورته عبر محاميته فلم تطفئ اجوبته عطشي، راح يكشف ويخفي، احسست انه يتشاطر وقررت سلوك دروب اخرى، تذكرت ان مساعده في عملية احتجاز وزراء «اوبك» في فيينا كان شابا عربيا، رحت اسأل عنه واكتشفت ان ذلك الشاب لم يكن سوى انيس النقاش الذي سيلتحق باكراً بالثورة الإيرانية وسيتردد اسمه في العالم، حين حاول اغتيال رئيس الوزراء الايراني السابق شهبور بختيار في باريس، وقع النقاش في قبضة الفرنسيين وامضى عقدا في السجن، والغريب ان المحققين لم يسألوه عن دوره في «اوبك».
دور النقاش
اتصلت بالنقاش المقيم في طهران وتواعدنا على اللقاء في بيروت، طلبت منه ان يعترف للمرة الاولى بمشاركته في عملية «اوبك» وان يروي قصته كاملة، وعدني بدرس الموضوع وانعكاساته الامنية والقانونية، وحين وافق التقينا مجددا، وكانت الثمرة حلقات نشرت في «الوسط» في الشهر الاخير من عام 2000. استفز بعض كلام النقاش مشاعر كارلوس. قرر أن يوضح فحاورته في الشهر التالي. وهنا اتصل القارئ المجهول.
الوصول الشاق
كان الوصول إلى رفاق حداد شاقاً ومنهكاً. رجال أدمنوا العمل السري واختاروا العيش في الظل. يعيشون في أماكن متباعدة، ولم يعد يربط بينهم غير خيط الذكريات والوفاء لحداد. نفذوا بعد غياب «أبو هاني» عمليات لاتزال تمنعهم من كشف وجوههم وأسمائهم. حلقة ضيقة جداً تعرف أرقام هواتفهم وعناوين أماكن إقامتهم. رجال تدربوا على الحذر والشك والاحتراز. كلما اتصلت بواحد منهم كان يسألني كيف حصلت على رقمه وبواسطة من؟ كان لابد من إقناعهم. والفوز بثقتهم وتدريبهم على التحدث أمام آلة التسجيل المفتوحة. وطمأنتهم إلى أن الأشرطة لن تسقط في يد أحد آخر. وحين وافقوا على التحدث احتفظوا بشرط وحيد هو عدم ذكر الأسماء التي كانت لاتزال مدرجة في لوائح «الإرهاب».
الصندوق الأسود
هكذا عثرت على «الصندوق الأسود». التقيت الرجل الذي كان إلى جانب سرير حداد لدى وفاته وسألته إن كان مات مسموماً. والتقيت الرجل الذي تولى القيادة بعده. والرجل الذي شارك في خطف حبش من سجنه في سوريا. والرجل الذي تسلم من ألماني غربي هبط في مطار بيروت حقيبة تحتوي خمسة ملايين دولار مقابل الإفراج عن طائرة «لوفتهانزا». كما التقيت من شارك في عملية «مطار الثورة» في الأردن، وفي عملية عنتيبي التي تحولت مأساة، ومن شارك في التخطيط لعملية اللد التي نفذها اليابانيون. والتقيت الرجل الذي أشرف على تدريب كارلوس في معسكر جعار في اليمن الجنوبي. وحكى هؤلاء عن علاقة «المجال الخارجي» بالعراق وليبيا والجزائر.
رفيق الحريري
وعثرت في «الصندوق الأسود» على ما لم أكن أتوقعه. قال المتحدث: «بعد ساعات من قصف الموساد منزل وديع بالصواريخ في بيروت ذهبت إليه صباحاً. وجدت شاباً يجمع كسر الزجاج لكن ليس من المناسب كشف اسمه». أغلقت آلة التسجيل وسألت عن الاسم وجاءني الجواب: رفيق الحريري.
وفي قريطم سألت الحريري لاحقاً عن القصة فرد بابتسامة معترفاً ومسارعاً إلى القول: «لماذا تحب نبش الماضي دعنا نفكر في المستقبل».
.. وجلال الطالباني
وقال المتحدث إن حداد «نجح في تجنيد شباب يساريين من جنسيات مختلفة وأرسلهم في مهمات في أوروبا وبينهم شاب كردي عراقي يساري يلعب حاليا دورا قياديا». أغلقت آلة التسجيل وسألت فجاءني الجواب: جلال الطالباني، وبعد أعوام سألت الرئيس الطالباني عن القصة وفاجأني باعترافه بصحتها ونشرت حديثه في «الحياة».
في الأسبوع الأول من سبتمبر 2001 نزلت «الوسط» إلى الأسواق وكان غلافها صورة لوديع حداد مهندس خطف الطائرات، لم يكن احد يومها يتوقع ان يكون العالم بعد أيام على موعد مع طائرات أسامة بن لادن.
قرأ كارلوس ما نقلته وكالات الأنباء وصحف أجنبية عن «غابة أسرار المجال الخارجي». نجح في معرفة أسماء بعض المتحدثين، خصوصا «الرجل الثالث» الذي كان حاضرا في اللقاء الأخير بينه وبين حداد. لم يعد التشاطر ممكنا. كتب القصة الكاملة لعملية فيينا وأرسلها إلي.
نموذج اندثر
ولا بد لي من الإشارة إلى ان رفاق وديع الذين التقيتهم يمثلون نموذجا لم يعد شائعا، إنهم أنقياء في هذا العالم الملوث. حاولت أن أشتري دواء للرجل الذي أقعدته رصاصات «الموساد» فرفض وقال: «تحدثت إنصافا لوديع. اذا قبلت ثمن الدواء فسأشعر أنني بعت الأسرار». إن هذا الرجل الذي يعيش في ظروف مالية بالغة الصعوبة هو الرجل الذي تسلم حقيبة الخمسة ملايين دولار.

(انتهى)
قصـــة الصنــدوق الاســــود

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy