• ×

02:12 صباحًا , الجمعة 10 يوليو 2020

قائمة

رأيت أبي يشرب الخمر فقلدته.. وسقطت في هاوية المخدرات

 0  0  3.8K
 
مما لا يثير الشك ان عالم الإدمان هو عالم خفي وسري. قد تكون الظاهرة علنية ولكن ما يدور بداخلها من أمور، وكيف تدار، وكيف يتم التعامل معها وما اسبابها، فهي بالتأكيد أمور غير واضحة المعالم وخفية.
ولذلك لنفتح الباب على مصراعيه، لوضع هذه الظاهرة تحت المجهر، لنكشف خبايا غياهب هذا العالم السري، ونصحح الكثير من المفاهيم الخاطئة السائدة عن الإدمان والمدمنين، وسوف يكون هذا الملف مفتوحا حتى اشعار آخر.
نحن نعلم باننا قد نكون فتحنا صدورنا للكثير من المعارك والتحديات ولكن يبقى للحقيقة ثمن.



تعرضنا كثيرا في الأعداد السابقة إلى مضار الإدمان والمخدرات بشكل عام، وكيف ان المخدرات توصل المدمن عليها إلى الحضيض وبأن كل مدمن لا بد له من اختبار ذلك الحضيض. واليوم سوف أروي قصة بتفاصيلها لأحد المدمنين المتعافين والذي أعرفه شخصيا. وسوف تتضمن تلك الحكاية قصة ذلك الشخص منذ نعومة أظافره إلى سقوطه في قاع الإدمان.

من السبب؟
لو لم أكن مدمنا... هذا ما بدأ به مدمن يحاول التخلص من مصيدة المخدرات في إحدى المصحات العلاجية، حتى يرى نور الخلاص ويحاول تعويض كل ما خسره وفعله. روى حكايته التي هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. حكاية مليئة بالحزن والشجن والندم. مرض كبير ضحاياه شباب هذا الوطن العربي الكبير اسمه \'الإدمان\'.
ولدت في أسرة كريمة وثرية، ونشأت في بلد عربي غير موطني. وذلك نظرا لأن والدي يعمل مديرا لإحدى الشركات الكبيرة في ذلك البلد. وقد عشت هناك أجمل سنوات عمري، بلد طيب، أصدقاء كثر، وأسرة ملتزمة يسودها الحب والوئام. إلى ان اكتشفت حقيقة تلك الأسرة عندما كنت في الثامنة من عمري حين وجدت أمي تخون أبي مع رجل آخر، كما امتزجت أحاسيس الكره والغضب في رأسي، تساءلت هل هي الخيانة؟! ولم الخيانة إن كان أبي يحب زوجته ويلبي رغباتها، أم لأنه ضعيف الشخصية وهي الآمرة الناهية في المنزل وفي ترتيب شؤون حياتنا؟!
رغم كل تلك الأسئلة التي دارت في رأسي إلا اني حاولت نسيان ما حدث. ومرت أربع سنوات من عمري محاولا تبرير ما قامت به. إلى أن اتضح لي ان أبي ليس ذلك الملاك الطاهر الذي كنت أتعجب لخيانة أمي له، إذ رأيت والدي يشرب الخمر مع أصدقائه، تناقضت الأفكار في رأسي من جديد إذ كيف يقولون إن شرب الخمرة حرام وأنا أرى أقدس من في هذه الدنيا يشربها ويسعد بها كما لو أنه فخور بذلك؟! هل هي محرمة فعلا؟!

الصدمة
لم اتوان في الاجابة عن ذلك السؤال، ما دام ابي يشربها فهي حلال، وبالفعل اخذت اسرقها من ابي واشربها في السر من حين لآخر وانا في الثانية عشرة من عمري، عدنا بعد ذلك الى الوطن وانا في سن الثالثة عشرة، وذات يوم عدت الى المنزل لارى ما حاولت ان اتناساه، وانكره طوال تلك السنين، اذ تكرر المشهد الغريب، رجل آخر مع امي يسرق مني عطفها وحنانها لم تكن نزوة عابرة، اذا كما حاولت تبريرها في المرة السابقة، انها الحقيقة المؤلمة التي حاولت جاهدا تناسيها من دون جدوى، شعرت بالخجل الشديد من نفسي، من كون تلك المرأة امي.
هل علم الجيران بشأن امي؟ هل علم اهل الحي الطيب بأمي ولهذا يتجنبونني.
هذه المرة علمت والدتي أنني رأيتها، هربت من نظراتها، امتنعت عن رؤيتها وكأني انا المذنب، كنت انتظر منها جمل التبرير وعبارات الندم، ولكن للاسف لم اجدها.
بعد هذه الحادثة عادت عائلتي الى ذلك البلد العربي وتركوني في بلدي الغريب مع جدتي الغريبة، شعرت بالسخط والغضب والكراهية تجاه امي، فانا اعلم انها تعمدت تركي لكي تواصل طريقها.

التجربة
توالت السنون واصبحت في السابعة عشرة من عمري، لم اكن شابا كباقي الشباب بل كنت بقايا شاب، فقد كنت خجولا منطويا على نفسي، فاقد الثقة بالنفس، لا احتك بالناس وكأني خائف من أن يعرفوا حقيقة امي المخجلة، وذات يوم جاء احد اقربائي وكان يكبرني سنا ويعمل عازفا موسيقيا في احدى الفرق المشهورة آنذاك، وطلب مني الخروج معه وعندما جلسنا مع اصدقائه عرض علي تدخين الحشيش، فقد كنت كثير الصمت ثقيل الدم، اعطاني اياها قائلا: \'الحل يكمن في هذه، ستجعل منك شخصا آخر\' في الحقيقة لم اتردد كثيرا في تدخينها مادامت ستغير من شخصيتي وتجعلني محبوبا عند الناس.
وشربتها فاحسست وكأن شخصا قد خرج من داخلي، شخص اعرف ملامحه لكني اجهل هويته، شخصية مرحة جريئة لا يعرف الخجل طريقا لها، وانقلبت من حال الى حال، فعندما اهم بالحديث ارى قريبي واصدقاءه يضحكون بشكل هيستيري، ظننت أن الحشيشة جعلت مني شخصا مرحا بعدما كنت مملا، لم اكن اعرف حينها بأنني قادر على عمل كل تلك الأمور من دون الحشيش وان الذين يجلسون معي سيضحكون لو قمت بعمل أي حركة أو أي كلمة لأنهم باختصار \'مساطيل\'.

الوهم
كسبت الكثير من الصداقات بسبب جرأتي التي كانت تصاحبني طالما أتعاطى الحشيش، تعرفت بعدها على الحبوب المخدرة وكانت تعطيني شعورا غريبا لم أعرفه من قبل، كنت أعتقد بان جرأتي زادت ولم أعرف أن وقاحتي هي التي زادت، دخلت دائرة الضياع معتقدا اني وصلت الى قمة النجاح، خاصة عندما انهيت المرحلة الثانوية ودخلت الى الجامعة وهناك تعرفت الى فتاة رقيقة تدرس معي في الجامعة، أعجبت بأناقتها وأدبها وحسن لباسها، كنت وكأني أبحث عن نقيض أمي، وبالفعل تمت خطبتي عليها ونحن طلبة في الجامعة، ولكن كانت هناك مشكلة تؤرقني حيث انني أود الجلوس معها أطول وقت ممكن ولكني أريد تعاطي الحشيش مع رفقائي.
فكانت فكرة التعاطي تجرني من جهة وفكرة الجلوس معها تجرني من جهة أخرى، الى ان اقنعتها بتعاطي الحشيش حتى أستطيع أن اوفق بين رغباتي معللا لها بأن الحشيش غير مضر وليس حراما، قلت لها ان الحشيشة نبتة طبيعية حالها حال التبغ وكنت فرحا بانني استطعت ان استغفلها وان اشعر بأنني أنا المسيطر عليها ولم أعلم انني كنت أستغفل نفسي. مرت الأيام ونحن نتعاطى المخدرات معا الى ان توقفت هي عن التعاطي، وتوقفت أنا عن تعاطي الحبوب المخدرة والتزمت دينيا ولكنني لم أتوقف عن تعاطي الحشيش ولكني كنت اتعاطاه بعد صلاة العشاء فقط ظنا مني بانها لن تفسد صلاتي وعبادتي، حتى انني كنت أكثر من قراءة القرآن وانا في أوج التعاطي، لأثبت لنفسي بأنني غير والدي الذي انحرف عن دينه وبالتالي تخلت عنه زوجته.

العودة
انهينا الدراسة الجامعية وتزوجنا ورزقنا الله بطفلنا الأول، وذهبنا الى ذلك البلد العربي الذي ترعرعت فيه، وشغلت منصبا كبيرا في احدى الشركات الكبرى بعد ان عرفوا من أنا ومن هو والدي، وقد توقفت فعلا عن التعاطي لأن ذلك البلد من الصعب جدا الحصول على اي مادة مخدرة الى ان تعرفت على احد الاشخاص الذي اخبرني أنه على اتم الاستعداد لتوفير الحشيش لي متى اردت ذلك. وبالفعل اصبحت اتعاطى الحشيش من جديد، وهنا بدأت الخلافات بيني وبين زوجتي، ولكن ليس بسبب اضرار المخدرات وخوفها علي، بل كان الخوف على ذلك المال الذي كنت انفقه في سبيل الحصول على تلك المخدرات. الى ان اقنعتني زوجتي بانه قد حان الوقت لنرجع الى بلدنا ما دمنا قد جمعنا مبلغا محترما من المال، وبالفعل رجعنا الى الوطن وكأن المشكلة ستنتهي عند ذلك الحد، ولكني عدت الى تعاطي الحشيش بجانب الحبوب المخدرة. وذات يوم جاءت زوجتي لتقول لي بأنها قد قررت التخلي عن الحجاب معللة بانها مازالت صغيرة. ترى هل علمت بحقيقة امي وحاولت ان تحذو حذوها؟ أم هل المخدرات جعلت مني شخصا ضعيفا كوالدي؟ كلا لست انا ذاك الرجل الضعيف الذي يقبل بالخيانة. فان كان ابي لم يحسن التصرف في ذاك الوقت فانا قادر على وضع نهاية حاسمة لهذا الموقف. وتذكرت خيانة امي لابي وبأنه قد حان الوقت لتعلب زوجتي هذا الدور اللعين، ولم اجد نفسي الا وانا انهال عليها ضربا مبرحا من دون وعي مني وكأني أحاول ان اصحح الماضي واعاقب امي على فعلتها الشنيعة تلك، ثم قلت لها\' أنت طالق فمثلك لا تستحق العيش معي\'.

الضياع
اخيرا تخلصت من الماضي الذي ظل يلازمني كل تلك السنين. فخرجت من المنزل والغضب يتملكني والدموع تأسرني.. أين أذهب؟ من ينسيني همي؟ ولم أجد نفسي الا وانا عند احد تجار المخدرات وطلبت منه اقوى مخدر لديه، مخدر ينسيني همومي وشجوني، نظرا الي بخبث ووضع امامي مخدر الهيرويين قائلا: \'هذا سيفي بالغرض\'. لم اتردد في تعاطيه ما دام سيقوم بالمهمة على اكمل وجه. وعندما تعاطيت الهيرويين لاول مرة احسست احساسا غريبا، كريها، جسدي يرتعش بقوة، عرق ينهمر بغزارة، فذهبت وجلست بوسط الشارع والمركبات تسير نحوي مسرعة، افرغت ما في جوفي وسط الشارع، والناس يحاولون ازاحتي دون جدوى، الى ان افقت لاجد نفسي في بيتي، كيف وصلت للمنزل؟ حتى الآن لا اعرف! اقسمت بعدها أنني لن اتعاطى تلك المادة الغبية ما حييت.

التوقف
مرت شهور ليست بالكثيرة ولكنها ثقيلة مملة، الى ان اتصلت الشركة التي كنت اعمل بها واخبروني ب\"أنهم قد قاموا بفتح فرع للشركة هنا وطلبوا مني ان اكون مديرها المالي. قبلت فورا بالمهمة، وظيفة جيدة، راتب جيد، وبداية جيدة، لا ينقصني سوى زوجة وفية تكمل معي المشوار. حدث ذلك بالفعل وتزوجت، واذكر انني في شهر العسل وفي ليلة الدخلة بالذات حاولت اثبات رجولتي التي سوف تمنع زوجتي من القيام بأي عمل مشين يسيء الي والى شرفي، فتعاطيت كمية كبيرة من المخدرات حتى تعطيني تلك القوة الجنسية الزائفة، ولكنني فشلت بالمهمة ولم استطع الدخول. ظننت أن المشكلة تكمن فيها هي، فطلبت منها ان تتعاطى معي الحشيش حتى تستطيع ان تسهل المهمة، ولكن ايضا دون فائدة ولم استطع الدخول بها الا وانا غير متعاط لأي نوع من انواع المخدرات.

العودة
مرت سنين ورزقت بأولاد من زوجتي الثانية، وكبرت الشركة وكبر منصبي فيها. وفي يوم من الايام جاء اخي الاصغر الذي لم يعش معي بسبب ابعادي عن الاسرة وانا صغير، جاءني في المكتب وكان ذلك اليوم يصادف 12/31 اي وقت عمل الميزانية والحساب الختامي للشركة، وكنت اعلم أن اخي الاصغر يتعاطى الهيروين، وسألني عن احوالي فقلت له اني مكتئب، فالعمل كثير ولا استطيع الحصول على الحشيش هذه الايام. فنظر الي وقال بأن الحل لديه، وأخرج من جيبه الهيرويين ووضعه امامي قائلا: \'هو لك\'.
قلت له: كيف تتعاطى تلك المادة الغبية.
قال: انت الغبي وليس المخدر، وقال لي وهو مغادر، انه افضل قاتل للألم على الارض. كانت تلك هي الجملة السحرية التي جعلتني افكر في تعاطيها، واقسم بأني جلست اتحدث مع الهيرويين ما يزيد عن نصف الساعة الى ان تعاطيته فعلا، ذهبت الى المنزل لأجد زوجتي قد اعدت لي حفلة رأس السنة الميلادية ولكنني اعتذرت لضيوفي بأنني مريض واحتاج الى النوم. وبعد ان افقت من النوم ندمت اشد الندم على تعاطي تلك المادة وامتنعت عنها بالفعل لمدة عشرة ايام.

الخسائر
طلبت من اخي بعدها ان يجلب لي الهيرويين وكان يبيعه لي بأضعاف ثمن السوق.
استمررت في تعاطي الهيرويين الى ان نفد مني المال فصرت ابيع ملابسي وساعاتي وكل شيء لا يلفت نظر زوجتي حتى انني بعت الشهادات البنكية التي كانت بأسم اولادي، ولكني لم اكتف بذلك فصرت اسحب مبالغ كبيرة من حساب الشركة الى ان وصلت الى ما يقارب ال40 الف دولار خلال اربعة أشهر فقط، بالطبع لم استطع ان اغطي العجز وعلمت الشركة بالامر وخيروني بين السجن او الدفع. علم والدي بالامر فدفع المبلغ كاملا لهم. عدت الى المنزل بعدها لاجد زوجتي بانتظاري تسألني عن سبب فصلي من العمل، فقلت لها انها مؤامرة مدبرة ضدي لكي اخرج من الشركة. لم تصدق حجتي الواهية بالطبع بل كانت تشك في أنني اتعاطى الهيرويين فعلا الى ان جاء يوم وتجلت لها الحقيقة واضحة عندما كانت خارج المنزل مع الابناء وكنت قد تعاطيت قبل رجوعهم بربع ساعة، ولكني اخذت جرعة زائدة وغبت عن الوعي الى ان جاءت زوجتي الى المنزل مع الاولاد، ثم دخلت ابنتي التي تبلغ اربع سنوات من العمر ورأتني فاقدا للوعي والحقنة معلقة بذراعي جاءت توقظني: أبي، ابي، لماذا انت نائم، ورأت الابرة معلقة في ذراعي فسحبتها ونثر الدم على وجهها، وبكت بشدة امي، امي تعالي انظري لأبي. واتت زوجتي ونقلتني الى المستشفى بعد ان علمت بموضوع التعاطي.

حضيض الادمان
وبعد تلك الحادثة المريرة بيومين اخبرت زوجتي انني قد تركت المخدرات من دون رجعة ولكني يجب ان اذهب الى صديق لي لنصف ساعة فقط، ساورتها الشكوك بالطبع فطلبت مني ان اصطحب ابني البالغ من العمر ثلاث سنوات حتى تتأكد من انني لن اتعاطى المخدرات، ولكنني لم افكر في ابني فحاجتي للمخدر قوية فذهبت الى تاجر المخدرات وطلبت من ابني ان ينتظر في السيارة لبعض الوقت وصعدت الى شقة التاجر وتعاطيت ايضا جرعة زائدة وغبت عن الوعي لاربع ساعات تقريبا لاجد ابني في حال يرثى لها من شدة البكاء طوال تلك الفترة. كيف تركت ابني هناك في ذلك المكان البشع ولم اخش عليه من الاعتداء او الخطف؟! لم اكن لافعل ذلك لولا المخدرات التي شلت عقلي وقدرتي على التفكير.
عدنا الى المنزل وعلمت زوجتي بعدها بما حصل لي ولابني ورفضت ان تعيش معي واخبرت والدي بانني مدمن مخدرات ولم يحتمل ابي المسكين تلك الصدمة وتوفي على اثرها بوقت قصير.
ومن ثم اتت امي تؤنبني وتقول لي: \'أنت السبب\'.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy