• ×

10:40 صباحًا , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

الحسين أبًا وابنًا

 0  0  2.8K
 تأليف: رندا حبيب

الناشر: دار الساقي

كان وقع الصدمة شديداً عندما قرر الملك الأردني الراحل الحسين، قبل وفاته بشهر، تنحية شقيقه الأمير الحسن عن ولاية العهد لمصلحة إبنه الأمير عبدالله. تكشف الكاتبة رندا حبيب، التي كانت مقربة من الملك الحسين، ملابسات هذا القرار المفاجئ، الذي اتخذه العاهل الأردني المصاب بالسرطان بشأن ولاية العهد، وذلك، في الطبعة الأولى من كتابها «الحسين أباً وابناً: الأردن في ثلاثين عاماً» (ترجمة صفاء كنج) الصادر أخيراً عن دار الساقي.

تروي المؤلفة النجاحات والإخفاقات في مسار علاقات الملك بياسر عرفات وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وإسحق رابين، وتضيء على تفاصيل رواية سفير ليبي سابق حول عملية اختفاء الإمام الشيعي اللبناني موسى الصدر في ليبيا، وتتطرق إلى المرحلة الراهنة في الأردن فتقدم صورة شخصية عن الملك عبدالله وأبرز الأحداث التي شهدها البلد حتى مستهل العام العاشر من عهده.

تعتبر حبيب أن الملك حسين عرف طوال فترة حكمه كيف يتخذ قرارات مهمة حتى عندما كانت تحدث حالة من الإرباك في أوساط شعبه. في العام 1956 طرد الضباط البريطانيين من قيادة الجيش العربي، وبعد ذلك بعام أنهى العمل بالمعاهدة الأردنية - البريطانية. تتابع المؤلفة أنه، على مر السنوات، جاءت خيارات الحسين السياسية لتطبع تاريخ الأردن والمنطقة، بدءاً بفك الارتباط وإنهاء العلاقات الإدارية والقانونية مع الضفة الغربية سنة 1988، مروراً بتنظيم انتخابات نيابية عام 1989، إلى لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين قبل بضعة أشهر من توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994.

أما القرار الذي شكّل المفاجأة الكبرى في عهده، في رأيها، فهو تغيير خليفته قبل فترة قصيرة من وفاته. بعد أربعة وثلاثين عاماً من تولي شقيقه الأمير حسن ولاية العهد، فاجأ الملك حسين شعبه بإعلان اختيار إبنه الأكبر عبدالله لذلك المنصب قبل أن يعهد إليه بمفاتيح المملكة. تفيد المؤلفة أن هذا التحوّل يعود إلى عام 1992 عندما قرر الملك حسين المصاب بالسرطان أن يعيّن ابناً من صلبه على العرش الهاشمي، فطلب من شقيقه أن يعين ابنه من الملكة نور الأمير حمزة ولياً للعهد لدى تولي الحسن للعرش، لكن الأمير الحسن رد على طلب الملك من دون مواربة بأن قال له: «يوم أصبح ملكاً سأقوم بتعيين خليفتي بنفسي». أمام هذا الرفض الصريح، فضّل الملك حسين أن يعيّن الأمير عبدالله ابنه البكر من زوجته البريطانية خليفة له. تسرد الكاتبة تلك الأحداث بالتفصيل وبالتواريخ مع مضمون المقابلات التي أجرتها مع الملك حسين خصوصاً في المرحلة الأخيرة من حياته.

معاهدة

أما في ما خص معاهدة الصلح مع إسرائيل، تروي الكاتبة تفاصيل رحلة الملك حسين إلى إسرائيل باعتبار أنها رافقته فيها. تؤكد أن الحسين حصل على التأييد الشعبي لتلك المعاهدة من خلال جولته التي قام بها في (يوليو) تموز 1994 على العشائر الأردنية، ولم يتردد في إعلان تصميمه على لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي لما يرى فيه مصلحة الأردن، وأعلن أمام مجلس النواب الأردني أنه إن كان لقاء رابين هو «الثمن» الذي يتعين على الأردن أن يدفعه لقاء استعادة أرضه وحصته في المياه وضمان الحصول على مساعدات عسكرية واقتصادية من الولايات المتحدة الأميركية، «فلن أتردد في القيام بذلك وأعتبر أن الأمر واجب وشرف وخدمة أؤديها لمصلحة الأردن».

أما عن علاقة الملك الأردني بالرئيس السوري حافظ الأسد، فتشير إلى أنه لم تكن هناك قواسم مشتركة بين الزعيمين الجارين، فالرجلان كانا على طرفي نقيض، ولم يكن قيام صداقة بينهما أمراً ممكنأ. ففي حين أخذ الحسين بالنموذج الغربي للحكم، كان الأسد موالياً للسوفيات، وفي حين اقتنع الأول بإمكان العيش في وئام مع الإسرائيليين، باعتبار أن العرب واليهود «جميعهم أبناء إبراهيم» كما كان يحلو له القول، كان الأسد ينظر إلى إسرائيل من منظار الشك والريبة. مع ذلك، وعلى الرغم من الاختلافات والخلافات بين الرجلين، فقد عرفا فترات تقارب على خلفية المصالح السياسية المشتركة، ولم يكن الحسين يخفي الصعوبات التي يواجهها في التحاور مع جاره الشمالي.

تورد الكاتبة المراحل المختلفة في العلاقات بين الأردن وسورية. برزت أولى بوادر هذا التوتر منذ الخمسينات مع إعلان الجمهورية العربية المتحدة بين مصر بقيادة عبد الناصر وسوريا، فتوجّس الأردن من تلك الوحدة، وأعلن الملك الحسين الاتحاد مع العراق التي كانت تحت حكم ابن عمه الملك فيصل. ازداد التوتر بين البلدين مع ظهور المقاومة الفلسطينية ومحاولتها إقامة دولة ضمن الدولة الأردنية، إلى حد تدخّل حافظ الأسد عسكرياً في شمالي الأردن عام 1970 لدعم الفدائيين في مواجهة القوات الأردنية. بعد ذلك مرت فترة من التقارب بين مصر وسورية والأردن لضمان خوض الأردن حرب 1973 معهما. عام 1975 قرر الأسد التقارب مع جيرانه بعدما ساورته شكوك في نوايا الرئيس السادات بعقد سلام مع إسرائيل، فزار الأردن ليكون الرئيس السوري الأول الذي يزور الأردن منذ العام 1957، ومنذ ذلك التاريخ باتت سورية الحليف الرئيس للأردن في المنطقة. ثم ما لبثت تلك العلاقات أن توترت مجدداً بين البلدين على خلفية عدم مقاطعة الأردن لمصر بعد توقيعها معاهدة الصلح مع إسرائيل، وبدأت سلسلة من الاتهامات المتبادلة بين البلدين بالعمل على إسقاط النظام. لم تحدث مصالحة حقيقية بينهما لانعدام الثقة على طرفي الحدود ولم تُدفن الأحقاد وتُنهى حالة العداء حتى وفاة الملك الحسين، حيث فاجأ الأسد العالم بزيارة عمان والانحناء أمام نعش الملك.

أما علاقة الحسين بصدام حسين فكانت، حسب الكاتبة، خلافاً لعلاقته بالأسد، اتخذت منحى إيجابياً منذ البداية، وتشير إلى أن صدام كان يقدم نفسه لمقربيه بوصفه مسانداً للحسين، فكان لديه المال والقوة العسكرية والقامة الفارعة، على نقيض الملك حسين، بالإضافة إلى أنه كان يكن إعجاباً للأخير باعتباره كان يمثل كل ما تمنى أن يكون هو عليه: فكونه سليل الرسول الكريم يجعله يحظى تلقائياً باحترام القادة العرب، حتى أولئك الذين لم يقدروه لشخصه، وكان الملك متمسكاً بأصالته العربية مع قربه من الغرب، وبذلك نجح في إقامة توازن بين الثقافتين، كذلك كان يتمتع بشعبية حقيقية بين أبناء شعبه. من وجهة نظر الكاتبة، كان الحسين من أوائل الزعماء الذين أعلنوا دعمهم العلني لصدام في حربه مع إيران.

اغتيال عرفات

أما علاقة الملك حسين بمعمر القذافي فكانت متوترة للغاية ولم يلتق الرجلان أبدا. تكشف الكاتبة مضمون مقابلة أجرتها مع سفير ليبي سابق في الأردن، أفصح فيها عن معلومات لها وللسلطات الأردنية تفيد أن القذافي خصص أموالاً طائلة لتدبير انقلاب ضد الملك حسين، كذلك يكشف عن طلب القذافي مساعدة حافظ الأسد لإطلاق صاروخ على طائرة الملك وهي في الأجواء السورية، لكن هذا الأخير رفض واعتبر ذلك سابقة خطيرة، ويؤكد أن الزعيم الليبي كان وراء اغتيال الإمام موسى الصدر، ذلك أن القذافي، الذي قدم مساعدة مادية وسياسية كبيرة لحركة الإمام الصدر، أراد أن يفرض عليها توجهاً جديداً جوبه بالرفض، وعندما فقد القذافي الأمل بإقناع الزعيم الشيعي، أمر بقتله هو ومرافقيه قبل مغادرتهم العاصمة الليبية، ويكشف السفير الليبي في هذا السياق أسماء الذين أمروا ونفذوا العملية والمكان الذي تمت فيه، وتنقل حبيب عن السفير قوله إن ياسر عرفات ألغى زيارة إلى ليبيا عام 1982 بعدما كشفت أجهزة استخباراته أن القذافي يعد له مصير الصدر نفسه. بعد المعلومات التي أدلى بها السفير الليبي شهدت العلاقات بين القذافي والحسين توتراً شديداً وتبادل اتهامات.

ترى الكاتبة أن الملك عبدالله نجح في مواجهة التحديات والاختبارات. شهدت العلاقات الأردنية - السورية تحسناً ملحوظاً منذ العام 1999 فزار سورية مرات عدة، وسمحت الأخيرة إثر ذلك بتوزيع الصحف الأردنية على أراضيها بعد حظر دام خمس سنوات، كذلك قرر البلدان إعادة العمل بخط الحجاز الحديدي وتنظيم ثلاث رحلات أسبوعية، وعرض الملك عبدالله التوسط بين سورية وإسرائيل وإقامة المفاوضات على أرضه. في الإطار نفسه، زودت سورية الأردن بالمياه واستؤنفت الرحلات الجوية بين البلدين بعد زيارة بشار الأسد إلى عمان عام 2000 وتم التبادل الديبلوماسي بين البلدين.

تلفت الكاتبة إلى الدور الإيجابي الذي أداه الملك عبدالله في المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين ومشاركته في بعض المؤتمرات بين الجانبين.

أما عن الحرب في العراق فتؤكد حبيب أن الملك عبدالله تلقى ضمانات من الولايات المتحدة بعدم شن أي هجوم من الأراضي الأردنية على العراق ورفض فتح المجال الجوي أمام المقاتلات الأميركية.

تستنتج أن عبدالله الثاني، وبعد تسع سنوات من جلوسه على العرش، لم يعد ذلك الشاب الخجول الذي تعرف إليه الأردنيون في الساعات الأولى من حكمه، الآن وبعدما حمل أسمى الألقاب وحظي باحترام المجتمع الدولي واكتسب مزيداً من الثقة، بات يقوم بأعباء منصبه من دون عناء ومن دون جهد كبير.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy