• ×

09:19 صباحًا , الخميس 2 يوليو 2020

قائمة

ذبح العلماء

 0  0  2.4K
 
بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة

مفتي جمهورية مصر


عرفت البشرية علي مر عصورها تصرفا سلبيا وهو‏[‏ ذبح العلماء‏],‏ ولم تختص أمة بذلك‏,‏ بل كانت سمة جعلت الناس ينشئون الأمثال السارية كنوع من أنواع التعبير عن الحكمة التي تتصل بالحياة‏,‏ وقبل ذلك قتلوا النبيين‏,‏ والمرسلين‏,‏ ولكن الله سبحانه وتعالي نصرهم‏,‏ وأيد هؤلاء العلماء‏,‏ ونفع بهم البشرية عبر العصور‏.‏

قال تعالي‏:‏ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون‏[‏ البقرة‏:87],‏ وعن ابن عباس قال‏:‏ ذكر خالد بن سنان للنبي صلي الله عليه وسلم‏,‏ فقال‏:‏ ذاك نبي ضيعه قومه‏[‏ رواه الطبراني في الكبير‏].‏

ونتذكر جميعا ما حدث لجاليليو‏:‏ حيث أثبت ثبات الشمس‏,‏ ودوران الأرض‏,‏ فاعترض عليه‏,‏ ولم يحسن حينئذ بيان برهانه التام‏,‏ حتي إنه وافق علي حرق كتبه‏,‏ ولدينا في التاريخ الإسلامي نماذج كثيرة في هذا المعني‏,‏ فقد ورد أن الإمام البخاري صاحب الصحيح الذي وصف بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله من حيث الضبط والنقل والتوثيق‏,‏ قد دعا علي نفسه قبل أن يموت بأيام‏,‏ وضاقت عليه الأرض بما رحبت‏,‏ في نزاع بينه وبين محمد بن يحيي الذهلي‏,‏ حيث كانت قد اشتدت الخصومة بينهما‏,‏ مما سبب له ترك المدينة‏,‏ ولم يكن البخاري رحمه الله تعالي معتادا علي ذلك‏,‏ فلم يتحمل لشفافيته ورقة قلبه هذا النوع من الصدام‏,‏ وانسحب تاركا وراءه جهده الرصين الجبار الذي استمر هذه السنين الطوال مرجعا للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها‏,‏ ومثالا لتطبيق المنهج العلمي‏,‏ وللنية الخالصة‏,‏ وللهمة العالية‏,‏ وأثر ذلك في بقاء الأعمال‏,‏ ونفعها لأفراد الناس وجماعاتهم‏,‏ ومجتمعاتهم‏.‏

وفي القرن السادس الهجري كان الشيخ عبد القادر الجيلاني تنسب إليه بعض القصص الجديرة بالاعتبار ـ وإن كنا لم نحقق توثيقها له في ذاتها ـ منها أنه كان يحضر له نحو أربعين ألفا لسماع موعظته الحسنة التي خالطت القلوب‏,‏ ورفع بعض الواشين أمره إلي الحاكم بأن عبد القادر أصبح خطرا علي الناس‏,‏ فإنه يأتمر بأمره أربعون ألفا‏,‏ ولما استدعاه الخليفة في بغداد‏,‏ وكلمه في ذلك ضحك الشيخ‏,‏ وقال‏:‏ أنا أظن أن معي واحدا ونصفا‏,‏ ولنختبر ذلك مولاي‏,‏ فارسل غدا الشرطة أثناء الدرس بعد العصر تطلبني أمام الناس‏.‏

فأرسل الخليفة رجال شرطته‏,‏ وطلبوا الشيخ بطريقة عنيفة‏,‏ فر معها أكثر الحاضرين‏,‏ وأصر اثنان علي أن يصحبا الشيخ‏,‏ حتي إذا ما جاءوا إلي قصر الخليفة تخلف أحدهم ينتظر الشيخ عند الباب‏,‏ ودخل آخر‏,‏ فقال له الخليفة‏:‏ ماذا حدث ؟ قال‏:‏ لم يبق معي إلا كما قلت لك واحد ونصف‏,‏ هذا واحد معي‏,‏ والآخر خاف من الدخول فانتظر عند الباب‏.‏

وذهب الواشون وذهب عصرهم لا نعرف أسماءهم وبقي الشيخ عبد القادر عبر القرون قد أذن الله أن يجعل كلماته نبراسا يستضاء به‏,‏ وهداية في الطريق إلي الله‏.‏ بقي عبد القادر وفني خصومه‏.‏

وفي القرن الثالث عشر الهجري وجدنا الشيخ خالد النقشبندي وهو يربي الناس بالشريعة والحقيقة والطريقة في السليمانية بأرض العراق بعد أن بلغ الغاية في علم الشريعة‏,‏ وفي تربية الناس‏,‏ وجدنا الحاسدين والحاقدين يلومونه‏,‏ ويتهمونه بأنه ساحر من أجل الشعبية الجارفة التي حققها‏,‏ ومن أجل معقولية كلامه ومنطقه مما اضطره لأن يغادر بلاده ووطنه ويذهب إلي الشام‏,‏ ويعيش بها فيربي أجيالا حتي يتوفي بدمشق‏,‏ ومازال قبره ظاهرا يزار إلي الآن‏.‏

لا نعرف من هؤلاء الذين عادوا الشيخ خالد ذا الجناحين‏,‏ جناح الشريعة‏,‏ وجناح التربية‏,‏ وكأنه سمي بذلك لأنه قد حلق بهما كالطير في سماء التقوي‏,‏ وفي سماء الصفاء والنقاء‏,‏ لقد ذهب ذلك العصر‏,‏ وبقي الشيخ خالد النقشبندي بعلمه‏,‏ وفضله‏,‏ وتأثيره‏,‏ وبإخلاصه‏,‏ وعلو همته‏,‏ وتقواه في الناس‏,‏ فله كتاب في العقائد‏,‏ وله رسائل جمعت في كتاب سمي‏(‏ بغية الواجب في مكتوبات سيدي خالد‏]‏ ولقد دافع عنه فقيه الحنفية‏,‏ وعمدة المتأخرين ابن عابدين في رسالة أسماها‏[‏ سل الحسام الهندي في نصرة سيدي خالد النقشبندي‏]‏ رد فيه علي معارضيه‏,‏ وفند أقاويلهم الباطلة‏,‏ لكن القضية تتمثل في أن ذكره قد بقي‏,‏ وأن مخالفه قد فني‏.‏

وحدث مثل هذا أيضا مع الشيخ محمد عبده‏,‏ فنري هجوما شرسا عليه‏,‏ وكانت هناك جريدة‏(‏ حمارة منيتي‏)‏ تهاجم الإمام في جل أعدادها حتي كان بائع الجرائد ينادي عليها ـ كما أخبرنا بذلك مشايخنا الذين شاهدوها شفاهة ـ علي باب المزينين بالأزهر‏,‏ وعند خروج الشيخ وتلامذته من درسه‏,‏ ينادي البائع‏‏ المفتي والحمارة‏)‏ فكان الشيخ يبتسم ويعطيه جنيها ذهبيا ليشتري منه جريدة لا يزيد ثمنها علي عدة ملاليم‏,‏ ويسكت الرجل حتي ينتهي من صرف الجنيه ذلك الثروة الكبيرة حينئذ‏,‏ وبعد شهر أو شهرين يعاود النداء فيقول له الشيخ‏:‏ هل نفد المال ؟ ويعطيه جنيها آخر مبتسما‏,‏ وكان الشيخ يهاجم بسبب خصومة دبت بينه وبين الخديو لأنه رفض استبدال وقف له بدون مقابل‏,‏ وهاجت الصحف علي الشيخ محمد عبده‏,‏ فأين ذهبت ؟ وهل يسمع الناس بها ؟ وظل محمد عبده إماما له مدرسة في التجديد والإصلاح لايزال الناس يذكرونها ويحتفلون بها حتي يومنا هذا‏.‏

من مجمل ذلك ونحوه ـ وهو أمر مطرد إلي يوم الناس هذا ـ رأينا الأمثال تقول‏:‏ زامر الحي لا يطرب‏.‏ ورأينا العلماء يقولون‏:‏ المعاصرة حجاب‏.‏

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy